في أول عرض كروز يقدّمه المصمم جوناثان أندرسون لدار Dior، بدا الأمر وكأن هوليوود عادت لتروي قصتها الخاصة عبر الموضة. العرض الذي أُقيم داخل Los Angeles County Museum of Art لم يكن مجرد مجموعة كروز جديدة لموسم 2027، بل تجربة كاملة استحضرت سحر السينما الأميركية القديمة، بكل ما تحمله من مبالغة، وأحلام، ودراما، وإغواء بصري.
اختار جوناثان أن يقدّم عرضه بطريقة مختلفة. فبدلاً من الملاحظات التقليدية الخاصة بالمجموعة، كتب سيناريو أشبه بفيلم خيالي، يضع نفسه فيه كشخصية رئيسية، في إشارة ذكية إلى علاقته القديمة بالتمثيل قبل انتقاله إلى عالم الموضة. النص لم يكن مجرد تفصيل إضافي، بل مدخل لفهم الفكرة الأساسية للعرض: الموضة كأداء، وكصورة تُصنع للكاميرا بقدر ما تُصنع للحياة الواقعية.
لماذا لوس أنجلوس؟
اختيار مدينة لوس أنجلوس لم يكن عشوائياً أيضاً. فالعلاقة بين ديور وهوليوود تعود إلى عقود طويلة، منذ أن ارتدت نجمات مثل مارلين مونرو وغريس كيلي تصاميم الدار داخل الأفلام وخارجها. وقد استعاد أندرسون هذا الإرث من خلال مجموعة بدت وكأنها تتحرك بين الواقع والخيال، بين سجاد أحمر قديم وكواليس استوديوهات السينما الذهبية.
حتى موقع العرض حمل هذه الفكرة السينمائية. سيارات Cadillac vintage توزعت خارج المتحف، بينما تحوّل المكان إلى ما يشبه استوديو تصوير ضخم، يستحضر صورة كاليفورنيا كما تخيلها Christian Dior خلال زيارته الأولى عام 1947: شمس دائمة، شواطئ، ورود، وحلم أميركي لا ينتهي.
بين الفينتج والروح الجديدة
على مستوى الأزياء، قدّم أندرسون واحدة من أكثر مجموعاته مرحاً منذ توليه قيادة الدار. الفساتين جائت مفعمة بالحركة والخفة، مع قصّات منخفضة الخصر، وأقمشة تنساب بطريقة تحاكي أناقة نجمات الأربعينيات والخمسينيات. اللون الأصفر المستوحى من زهرة الخشخاش الخاصة بولاية كاليفورنيا، ظهر كأحد أبرز عناصر المجموعة، سواء عبر فساتين كاملة أو ورود قماشية ضخمة تزيّن الكتفين والخصر.
اللافت أيضاً كان الحضور القوي لفكرة "التزيّن" نفسها. أندرسون تحدث بوضوح عن رغبته في إعادة متعة ارتداء الملابس، بعيداً عن التعقيد الفكري المبالغ فيه الذي يسيطر أحياناً على الموضة المعاصرة. لذلك بدت الإطلالات وكأنها تحتفي بفكرة المبالغة الجميلة: ترتر كثيف، تطريزات لامعة، زينة زهرية ثلاثية الأبعاد، وريش ضخم صمّمه صانع القبعات الشهير Philip Treacy .
بعض أغطية الرأس حملت كلمات مثل Star وBuzz وكأن العرض يعلّق بطريقة ساخرة وذكية على صناعة الشهرة نفسها. حتى فساتين السهرة، رغم فخامتها، بدت غير متكلّفة، بانسيابية تمنحها روحاً حديثة بعيدة عن الجمود الكلاسيكي.
ومن التفاصيل التي توقّف عندها أندرسون أيضاً، حضوره المتكرر للّون الأحمر داخل المجموعة. فقد أوضح أن الفكرة مستوحاة من عادة قديمة لدى كريستيان ديور، الذي كان يضيف دائماً فستاناً أحمر ضمن عروضه "ليوقظ الجمهور"، بحسب وصفه. لكن خلف هذه الرومانسية السينمائية، كان هناك جانب أكثر جرأة في السرد. إذ كشف جوناثان أن من بين مصادر إلهامه كتاب Full Service للكاتب Scotty Bowers، الذي يروي العلاقات السرية والفضائح الجنسية لنجوم هوليوود في العصر الذهبي. هذه الإشارة لم تظهر بشكل مباشر في الملابس، لكنها انعكست في طاقة المجموعة نفسها: شيء من الإغواء، واللعب، والتمرد المخفي خلف البريق.
عرض يجمع بين ملابس النساء والرجال لأول مرة
وللمرة الأولى أيضاً، جمع العرض بين أزياء الرجال والنساء على منصة واحدة، في خطوة تؤكد رغبة أندرسون في تقديم رؤية أكثر تكاملاً للدار. التصاميم الرجالية حافظت على هوية Dior الكلاسيكية، لكن مع إعادة تفسير واضحة لسترة Bar الشهيرة، التي ظهرت بأكتاف محددة وخصر ضيق، أحياناً بأقشمة معدنية أو بأحجام مصغّرة تحمل توقيع أندرسون المعروف.
كما تضمّنت المجموعة تعاوناً فنياً مع الفنان الأميركي Ed Ruscha، الذي صمّم شعارات مطبوعة على القمصان بأسلوبه الطباعي الشهير، مضيفاً طابعاً فنياً معاصراً وسط هذا العالم السينمائي الحالم.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.