شهد أسبوع باريس للأزياء الراقية انطلاقة فصل جديد في تاريخ دار بالنسياغا مع أول مجموعة هوت كوتور يوقعها المدير الإبداعي الجدي بييرباولو بيتشولي في عرض حمل بصمة واضحة تعكس رؤيته الشخصية، وفي الوقت نفسه احترم الإرث الهندسي الذي أسسه كريستوبال بالنسياغا. وبين الماضي والحاضر، نجح بيتشولي في تقديم قراءة معاصرة للهوت كوتور، لا تقوم على المبالغة أو الاستعراض، بل على دقة البناء وإتقان الشكل.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن المصمم لا يسعى إلى تقليد تاريخ الدار، بل إلى إعادة تفسيره. فقد انطلق من الفكرة التي لطالما ميزت بالنسياغا، وهي التعامل مع الملابس كأعمال معمارية، حيث يصبح القص العنصر الأساسي الذي يمنح القطعة هويتها. بالنسبة إلى بيتشولي، لا تبدأ الأزياء الراقية من التطريز أو الزينة، بل من العلاقة الدقيقة بين القماش والحجم والحركة، وهي فلسفة ظهرت في مختلف إطلالات المجموعة.
وقد وصف المصمم منهجه بأنه أشبه بعملية هندسية، يعمل فيها على تحقيق انسجام كامل بين الخامة واللون والبنية، مستخدماً أقل قدر ممكن من الدعامات الداخلية، وكأن القطعة تشكلت بحركة واحدة متدفقة. هذا التوجه منح التصاميم إحساساً بالانسيابية رغم تعقيد بنائها، وأبرز المهارة الاستثنائية لمشاغل الدار في تحويل الأفكار إلى مجسمات نابضة بالحياة.
وبرز هذا المفهوم في المعاطف ذات الخطوط النقية التي بدت منحوتة حول الجسم، وفي السترات المصنوعة من حرير الغازار بأكتاف وأكمام منتفخة، إلى جانب الفساتين التي جمعت بين تقنيات الخياطة الرجالية والانسيابية الأنثوية داخل القطعة نفسها. ففستان أسود بسيط المظهر أخفى في جزئه العلوي بنية خياطة داخلية معقدة، بينما انسدل القسم السفلي بحرية، في توازن لافت بين الصرامة والخفة. كما ظهرت الفكرة نفسها في فساتين السهرة التي جمعت بين الكورسيه المنحوت والشيفون المتموج، لتمنح الحركة دوراً موازياً للبنية.
ورغم أن المجموعة اتسمت بخطوطها البسيطة، فإن بيتشولي اختار أن يمنحها بعداً بصرياً قوياً عبر توظيف الخامات والملمس. فقد ظهرت سراويل مكسوة بملمس فروي، وتطريزات أنبوبية بارزة، وخصلات حريرية تنساب أسفل معاطف الكشمير، في معادلة جمعت بين البساطة الشكلية والغنى الحسي، من دون أن تفقد القطع نقاءها.
أما مشهد الختام، فجسد رؤية المصمم بأوضح صورها. فقد تحولت الفساتين إلى كتل نحتية ضخمة من الريش والأحجام المتراكبة، قبل أن تختتم Gigi Hadid العرض بإطلالة درامية غمرت الجسد بغطاء من ريش الديك شكّل إطاراً للوجه، في واحدة من أكثر لحظات أسبوع الكوتور تأثيراً.
وفي المقابل، جاء حضور الأزياء اليومية محدوداً، واقتصر على بعض سراويل الشينو الطويلة وقطع التيشيرت والتوبات المنفذة بأساليب الكوتور، في إشارة واضحة إلى أن بيتشولي لا يريد تحويل الأزياء الراقية إلى ملابس يومية، بل يصر على الحفاظ على بعدها الحلمي والاستثنائي.
واختُتم العرض بتحية حارة من الحضور، بينما صعد بيتشولي إلى المنصة برفقة فريق الأتيليه كاملاً مرتدين المعاطف البيضاء، في مشهد يؤكد أن الأزياء الراقية ليست نتاج رؤية مصمم واحد، بل ثمرة عمل جماعي يقوم على الحرفة والوقت والدقة.
في أول ظهور له مع بالنسياغا، لم يسعَ بييرباولو بيتشولي إلى إحداث قطيعة مع تاريخ الدار، بل أعاد توجيه بوصلتها نحو جوهرها الحقيقي. فقد أثبت أن مستقبل الكوتور لا يكمن في كثرة التفاصيل، بل في قوة البناء، وأن الفستان يمكن أن يكون عملاً معمارياً متكاملاً بقدر ما هو قطعة أزياء، ليمنح بالنسياغا بداية جديدة تحترم الماضي وتفتح الباب أمام لغة أكثر هدوءاً ونضجاً في عالم الأزياء الراقية.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.