في كل عام جديد تتبدل لغة الجمال كما تتبدل مواسم الموضة، لكن ما ينتظرنا في 2026 يبدو أعمق من مجرد تقنيات جديدة أو منتجات مبتكرة. نحن أمام تحول حقيقي في فلسفة العناية بالجمال، حيث يمتزج العلم بالرفاهية الشخصية، وتتحول العادات اليومية إلى طقوس واعية تعكس علاقتنا بأنفسنا. ما يميز اتجاهات هذا العام أنها لا تكتفي بتحسين المظهر، بل تعيد تعريف مفهوم الشباب، الصحة، والهوية الجمالية الفردية.
• أول هذه التحولات يأتي من عالم العناية بالأسنان، والذي لم يعد مقتصراً على الابتسامة البيضاء والمتناسقة. يبرز اليوم مفهوم جديد يرى في العناية بالأسنان مدخلاً لمكافحة علامات التقدم في العمر. أجهزة مثل Invisalign باتت تُستخدم ليس فقط لتقويم الأسنان، بل لتحسين تنفس الفم، الانسجام الوجهي، وحتى شكل الفك مع العمر. الفكرة هنا أن صحة الابتسامة تؤثر في بنية الوجه ككل، وأن تقويمات الأسنان الشفافة أصبحت جزءاً من العناية الشاملة بالمظهر تماماً كما هي حقن الفيلر أو العناية بالبشرة. إنها نظرة جديدة ترى الجمال من منظور متكامل، لا يفصل بين الوظيفة والشكل.
• على صعيد البشرة، يبرز نجم PDRN بقوة، وهو العلاج المعروف شعبياً باسم علاج السالمون. هذا المكوّن الذي شغل العالم في عام 2025 بفضل قدرته على تحفيز الكولاجين وإعادة النضارة، يشق طريقه اليوم من العيادات المتخصصة إلى الروتين المنزلي عبر سيرومات وأقنعة وأمبولات للشعر والشبرة. الأهم من ذلك هو توجّه الصناعة نحو بدائل نباتية وموثوقة أخلاقياً، ما يعكس وعياً جديداً لدى المستهلك الذي يريد نتائج متقدمة دون التضحية بقيمه. إن دخول PDRN إلى الاستخدام اليومي يعني اقترابنا أكثر من فكرة العناية التجديدية، لا الاكتفائية المؤقتة.
• أما حركة الإطالة في العمر، التي بدأت من بوابة الصحة واللياقة، فهي تتسلل بقوة اليوم إلى الجمال والإجراءات التجميلية. الطب التجميلي لم يعد معزولاً عن التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي. نحن نتحدث عن تخطيط جراحي يتم عبر خرائط تشريحية رقمية دقيقة، وعن بروتوكولات تعافٍ تعتمد الطب التجديدي لتقصير فترات الشفاء. هذه الثورة لا تهدف فقط إلى إبطاء الزمن، بل إلى جعل التجربة التجميلية أكثر أماناً وذكاءً وشخصنة.
• في عالم الماكياج، الخط الفاصل بين العناية بالبشرة ومستحضرات التجميل أصبح شبه معدوم. العلامات الجمالية الكبرى تتجه نحو منتجات هجينة تمنح تغطية خفيفة مع فوائد علاجية حقيقية: قواعد مكياج غنية بمكونات مرممة، أحمر خدود يعمل كمستحضر عناية، وهايلايتر يعزز الترطيب. هذه الصيغة تعكس وعياً جمالياً جديداً: الجمال الطبيعي المعزز لا المتكلف، والبشرة الصحية التي لا تحتاج إلى إخفاء. إنها عودة إلى الذات، لا إلى القناع.
• لكن ربما يكون التحول الأكثر عمقاً هو إدماج الصحة النفسية بشكل مباشر في روتين الجمال. التكنولوجيا العصبية تدخل غرف العناية بالبشرة والعيادات الراقية عبر أجهزة تحفز الأعصاب الدقيقة وتعيد ضبط الجهاز العصبي الذاتي. الهدف ليس الاسترخاء فقط، بل تحسين النوم، خفض التوتر، والحد من الآثار المباشرة للإجهاد على الوجه. إنها مقاربة صادقة لواقع نعرفه جميعاً: لا كريم يمكنه إخفاء تعب ناتج عن ضغط مزمن، ولا إجراء تجميلي قادر على تعويض راحة بال حقيقية.
• أما العطور، فتتجه أكثر فأكثر نحو الخصوصية. المستهلك المعاصر لم يعد يبحث عن اسم كبير بقدر ما يبحث عن هوية عطرية توقّعه وحده. العطور النيش فائقة التخصيص، التركيبات المبتكرة، الروائح المستوحاة من الذكريات الشخصية والسفر، كلها تعكس رغبة عميقة في التفرد. لم يعد العطر إكسسواراً تكميلياً، بل بيان هوية بحد ذاته. في زمن السرعة والتشابه، يختار الناس ما يميز حضورهم بصمت.
الخلاصة أن عام 2026 ليس عام الاتجاهات السطحية بقدر ما هو عام المصالحة مع الذات. الجمال لم يعد يعدنا بإخفاء العمر أو منافسة معايير مستحيلة، بل يمنحنا أدوات للعيش بوعي أكبر في أجسادنا وملامحنا. نحن أمام عصر تُكتب فيه علاقة جديدة بين العلم والعاطفة، بين التكنولوجيا والحس الإنساني. وربما هذا تحديداً هو الجمال الحقيقي: أن نبدو كما نشعر، ونشعر بما يليق بنا نحن، لا بما يُطلب منا أن نكونه.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.