لم تعد الاستدامة في صناعة التجميل خياراً تجميلياً أو خطاباً تسويقياً، بل تحوّلت إلى ضرورة وجودية. فهذه الصناعة، التي تُقدّر قيمتها عالمياً بنحو 500 مليار يورو، تعتمد بشكل أساسي على النباتات والمكونات الطبيعية، وهي عناصر باتت مهددة بشكل مباشر بفعل التغير المناخي. وفي وقت تتصدر فيه فرنسا قائمة المصدّرين عالمياً بنسبة 14.1% وسوق محلية تصل إلى 71 مليار يورو، تبدو المخاطر مضاعفة، ما يدفع الشركات إلى إعادة التفكير في نماذجها الإنتاجية.
ضمن هذا السياق، تبرز الزراعة التجديدية كأحد أبرز التحولات الصامتة في القطاع. لا تقتصر هذه المقاربة على الزراعة العضوية، بل تتجاوزها نحو إعادة ترميم التربة والأنظمة البيئية وتعزيز التنوع الحيوي، عبر دمج النشاط الاقتصادي ضمن البيئة بدلاً من استنزافها. الهدف ليس فقط الحفاظ على الموارد، بل تجديدها وضمان استمراريتها.
ورغم غياب إطار قانوني واضح أو برامج حكومية شاملة، بدأت مبادرات فردية بالظهور. من بين أبرزها تجربة دار Clarins التي استثمرت منذ عام 2016 في أراضٍ زراعية عضوية، قبل أن ترفع طموحاتها في 2020 لتصل بنسبة مكوناتها العضوية إلى 80% بحلول 2025. هذه الخطوة تعكس تحوّلاً استراتيجياً عميقاً، حيث أصبحت الزراعة المسؤولة جزءاً لا يتجزأ من هوية العلامة.
لكن الدافع الحقيقي وراء هذا التحول لا يقتصر على القيم البيئية، بل يرتبط أيضاً بمخاطر ملموسة على الأعمال. فبحسب دراسات داخلية استندت إلى تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، تبيّن أن نحو 70% من النباتات التي تعتمد عليها كلارنس قد تصبح مهدددة خلال العقود المقبلة، نتيجة الظواهر المناخية القاسية ونقص المياه. حتى المزارع الواقعة في جبال الألب بدأت تسجل مؤشرات مقلقة على شح الموارد المائية.
استجابة لذلك، تتجه الشركة نحو اعتماد الزراعة التجديدية كخيار استراتيجي لتعزيز المرونة. وهي تسعى للحصول على شهادة Regenerative Organic Certified لمزارعها، في خطوة تشمل تحسين صحة التربة، حماية الحيوانات، ودعم الظروف المعيشية للمزارعين. كما تخطط لرفع نسبة إمداداتها من الزراعة التجديدية إلى 30% خلال السنوات الخمس المقبلة، مع توسيع الإنتاج الداخلي في مزارعها جنوب فرنسا.
ولا تقتصر هذه المقاربة على شركة واحدة، إذ تتبناها أيضاً جهات أخرى مثل Laboratoires Expanscience، التي تعتمد بشكل كبير على المواد النباتية في منتجاتها. وقد أطلقت الشركة مبادرات لتعزيز وعي الموردين بقضايا المناخ والتنوع الحيوي، عبر تنظيم لقائات سنوية تجمع أبرز الشركاء بهدف تطوير ممارسات أكثر استدامة.
تدرك هذه الشركات أن التحول نحو الزراعة التجديدية لا يمكن أن يتم دون إشراك المزارعين بشكل فعّال. لذلك، بدأت تعتمد نماذج تعاقدية طويلة الأمد تمتد بين ثلاثة وخمسة سنوات، تشمل تغطية تكاليف الاستثمار وتأمين المخاطر المرتبطة بتغيير الممارسات الزراعية. هذه العلاقة الجديدة تعيد رسم ملامح الشراكة بين الصناعة والمزارعين، وتمنحهم استقراراً اقتصادياً يسمح لهم بتبني أساليب أكثر استدامة.
في موازاة ذلك، يبرز تحدي آخر يتمثل في تتبع مصادر المواد الخام. فمع اعتماد الصناعة على مكونات غالباً ما تمر بمراحل تحويل متعددة، تصبح الشفافية ضرورة ملحّة. من هنا، انضمت شركات كبرى مثل L'Oréal وChanel وLVMH إلى مبادرات مشتركة تهدف إلى تحسين إمكانية تتبع المكونات وضمان استدامتها.
كما تسعى علامات أخرى مثل L'Occitane إلى إدارة مساحات شاسعة من الأراضي وفق مبادئ الزراعة التجديدية بحلول عام 2030، عبر زراعة الأشجار، الحد من استخدام المبيدات، ودعم المزارعين تقنياً ومالياً. وتشمل هذه الجهود محاصيل أساسية مثل زبدة الشيا في بوركينا فاسو واللافندر في بروفانس، في محاولة لتعزيز قدرتها على الصمود أمام التغيرات المناخية.
هذا التحول لا يقتصر على الممارسات الزراعية فقط، بل يمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والطبيعة داخل منظومة الجمال. فمع تزايد الطلب على مكونات طبيعية بديلة للمواد الكيميائية، تقترب الصناعة أكثر من سلاسل الإمداد الزراعية، وتضع مسألة التتبع والشفافية في صلب أولوياتها. وفي ظل تعدد الشهادات والمعايير غير الموحدة، يبقى التحدي قائماً في تحديد تعريف واضح ودقيق للزراعة التجديدية، وضمان مصداقية تطبيقها على نطاق واسع.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.