في هذا الحوار، يكشف مؤسس علامة Analogue Olfactory كريم مكتيجيان عن رؤيته للعطر كمساحة فكرية وحسية تتجاوز المفهوم التقليدي للمنتج، ليصبح تجربة عاطفية تُبنى على الذاكرة والرمز والطقس. يستحضر من خلال عطره الأول SIN قراءات تاريخية من مصر القديمة وروما، حيث كان العطر بين المقدّس والرغبة، بين الطقس والإغواء. يقدّم العطر كقصة تتحرك عبر طبقات شعورية متتالية، تعكس تحوّل الإنسان عبر التجربة. كما يتحدث عن مفهوم التناقض كجوهر للإبداع، وعن أهمية التراث العطري في المنطقة وإعادة صياغته بلغة معاصرة، بعيداً عن الاستنساخ، مع التركيز على العطر كأداة سردية وفضاء للتعبير الإنساني العميق.
قبل إطلاق SIN، امتدت رحلتك الإبداعية عبر مجالات وعلامات متعددة. كيف شكّل هذا المسار طريقتك في التعامل مع العطر اليوم؟
أعتقد أن عملي في مجالات العلامات التجارية، والتصميم الداخلي، والأشياء، والهوية البصرية، وسرد القصص، والتصميم الثقافي، قد درّبني على التفكير في العطر ليس كـ”منتج”، بل كأجواء وسرد بصري وبنية عاطفية. لغتي الإبداعية تميل دائماً إلى وصف المساحات والرموز والملمس والطقوس والصمت والأساطير والتوتر والعمق العاطفي، قبل أن أصل إلى الحديث عن المكونات.
تُشير إلى حضارات قديمة مثل مصر وروما في قراءتك للعطر بين المقدّس والحسي. كيف تؤثر هذه السرديات التاريخية على عمليتك الإبداعية اليوم؟
إشاراتي إلى الحضارات القديمة ليست زخرفية أو نوستالجية، بل هي أطر رمزية لفهم الرغبة البشرية والطقس والقوة والتحوّل في العالم المعاصر. في مصر تحديداً، هناك خيط متكرر في عملي يتعلق بالغموض، والطقس المقدّس، والمعرفة المخفية، والتجاوز الحسي. اللغة الجمالية التي أميل إليها—مثل الكيمياء القديمة، الرموز، الظل، الذهب، البخور، الطقوس، الثنائية—تعكس كيف تعاملت الحضارة المصرية مع العطر كقوة روحية وليست مجرد زينة. في هذا التصور، كان العطر مرتبطاً بالإلهية، والإغواء، والموت، والبعث، والتطهير، والحضور. كان تقنية جوّية للمعنى. لكن الأهم بالنسبة لي هو إعادة تفسير هذه الأفكار عبر تصميم شعوري معاصر، وليس إعادة إنتاج تاريخي حرفي. أنا لا أعيد مصر القديمة كما هي، بل أترجم قوتها النفسية والرمزية إلى تجارب حسية حديثة.
يُوصف SIN بأنه تكريم للتناقض بين المقدّس والمحرّم. ماذا يعني هذا التناقض لك شخصياً، وكيف أثّر على تركيب العطر؟
هذا التناقض بالنسبة لي شخصي جداً، لأنه لا يقدّم الصراع كحقيقة، بل كجزء من الحقيقة.
لغتي الإبداعية دائماً تعود إلى وجود قوى متعاكسة في الوقت نفسه: الضوء والظل، الرقة والخطر، القرب والقوة، الإخلاص والإغواء، الروحانية والجسد، الصمت والكثافة. أنا لا أرى الهوية كشيء ثابت أو أحادي، بل كطبقات متغيرة ومتناقضة. المقدّس والمحرّم ليسا نقيضين في عالمي، بل يعزّز أحدهما الآخر. على المستوى الشخصي، هذا التناقض يعكس انجذاباً للتعقيد العاطفي، حيث تصبح الجاذبية أقوى عندما تحتوي على توتر. الصفاء وحده قد يكون بارداً، والظلام وحده قد يكون فارغاً، لكن معاً يصنعان جاذبية.
يبدو تركيب SIN سردياً، حيث تتكشف النوتات كفصول. هل تتعامل مع صناعة العطر كنوع من السرد؟ وما القصة التي أردت روايتها؟
ما يميّز SIN هو أن العطر يبدو وكأنه مصمم ليُتكشف نفسياً، وليس فقط كيميائياً. تطور النوتات يشبه بناء مشاهد فيلم أو فصول رواية، حيث تكشف كل مرحلة حالة شعورية مختلفة. هذا يتماشى مع طريقتي في وصف العطر: "طبقات تتكشف كسرّ"، "طقس تحوّل"، "كيمياء مشاعر"، "استسلام". هذه العبارات تحمل فكرة الحركة والتطور العاطفي، أي أنها سردية بطبيعتها. أعتقد أن خلفيتي المتعددة جعلتني أفكر بهذه الطريقة تلقائياً. في التصميم الداخلي والهوية البصرية، التجربة لا تُستهلك دفعة واحدة، بل تمر بمراحل: الانطباع الأول، الفضول، التوتر، الحميمية، الذاكرة. SIN مبني بنفس المنطق. الافتتاحية هي دعوة للدخول، ضوء خفيف ومساحة جذب، ليست كشفاً كاملاً بل عتبة. ثم ينتقل إلى الدفء، التوابل، الراتنجات، والخشب—حيث يتلاشى الحذر ويظهر الشغف. وأخيراً، يترك أثراً غامضاً يشبه الذاكرة بعد التجربة. لذلك العطر لا يروي قصة إغواء فقط، بل يعيد تمثيل الإغواء نفسه. والقصة الأساسية ليست عن الذنب، بل عن التحوّل عبر الرغبة.
تتمتع منطقتنا بعلاقة عميقة مع العطر. كيف ترى موقع Analogue Olfactory ضمن هذا السياق الثقافي؟
أعتقد أن Analogue Olfactory يمكن أن تحتل موقعاً خاصاً في مشهد العطور في المنطقة لأنها لا تتعامل مع العطر كفخامة فقط، بل كثقافة وذاكرة وطقس وتعبير فكري. في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، العطر يحمل معنى يتجاوز الزينة: هو مرتبط بالضيافة، الروحانية، الحميمية، الهوية، الاحتفال، الحداد، الحضور والمكانة. الناس هنا لا "يرتدون" العطر بشكل سطحي، بل يعيشونه كجزء من طقس يومي وهوية شخصية. العود والبخور والمسك والورد والراتنجات تحمل ذاكرة متوارثة عبر الأجيال. ما يميّز Analogue Olfactory هو وعيها بهذا العمق، لكنها لا تعيد إنتاج القوالب التقليدية، بل تعيد ترجمة الذكاء العاطفي للمنطقة بلغة فنية معاصرة.
في منطقة يهيمن عليها العود والخلطات التقليدية، ماذا يعني الابتكار في صناعة العطور بالنسبة لك اليوم؟
الابتكار لا يعني التخلي عن التراث، بل إعادة تأطيره عاطفياً وثقافياً وفنياً. العود والمكونات التقليدية تحمل بالفعل قوة رمزية هائلة، فهي ليست مواد خام فقط، بل حاملات للذاكرة والطقس والهوية. لذلك لا يمكن أن يأتي الابتكار من رفضها، بل من استخدامها بطريقة تكشف معاني جديدة. الابتكار الحقيقي يحدث عندما تُستخدم المكونات المألوفة لسرد مشاعر غير مألوفة. أتعامل مع العود والبخور والمسك كأدوات نفسية، وليس كرموز مكانة.
تصف التصميم بأنه "فن جعل الشعور مرئياً". كيف تُترجم هذا الشعور في العطر وهو غير مرئي؟
إذا كان التصميم هو جعل الشعور مرئياً، فإن العطر هو جعل الشعور غير مادي. وربما هذا أقرب إلى الإحساس نفسه. العطر لا يُفهم بالعقل أو البصر، بل يدخل مباشرة إلى الذاكرة والانفعال والجسد. لذلك هو ليس شيئاً يُشاهد، بل حالة تُعاش.
ما الذي يجعل العطر خالداً في عالم سريع ومتحوّل؟
العطر الخالد هو الذي يتجاوز الموضة لأنه يخاطب مشاعر إنسانية دائمة، وليس ذائقة لحظية مرتبطة بالسوق.
اسم SIN ومعناه Simple Instructions Neglected يحمل عمقاً مفاهيمياً. كيف تؤثر اللغة والرموز في عملك الإبداعي؟
اللغة والرموز أساسية في عملي، لأنني لا أتعامل مع التسمية كعلامة تجارية، بل كبنية فكرية.
كلمة SIN تحمل شحنة من الذنب والرغبة والتجاوز والإغراء، لكن إعادة تعريفها إلى Simple Instructions Neglected تحوّلها من حكم أخلاقي إلى فكرة فلسفية. أنا مهتم دائماً بتفكيك الثنائيات وكشف الطبقات المخفية خلف الرموز المألوفة. القوة هنا تأتي من التناقض نفسه: إعادة تعريف المقدّس، إعادة تفسير الذنب، وتحويل التمرد إلى حقيقة إنسانية.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.