في لحظة يتسارع فيها تطوّر صناعة الجمال، لم تعد الاستدامة تُقاس فقط بعلبة قابلة لإعادة التدوير أو عبوة أقل ضرراً بالبيئة، بل باتت تمتد إلى ما هو أعمق: طريقة اتخاذ القرار نفسها. هذا ما يطرحه علي رحيمتولا، مؤسس منصة Bien-Etre، الذي يعيد تعريف العلاقة بين المستهلك ومنتجات العناية بالبشرة عبر فكرة بسيطة لكنها ثورية: ما نشتريه من منتجات الجمال قد يكون أقل استدامة بكثير مما نظن، حين يُبنى على التخمين بدل المعرفة.
من هذا المنطلق، يقدّم مشروعه الجديد SkinIQ مقاربة مختلفة كلياً، حيث يتحوّل الجمال من تجربة عشوائية إلى نظام قابل للقياس، يعتمد على مؤشرات حيوية في الدم تكشف العوامل البيولوجية وراء شيخوخة البشرة، لتصبح العناية بالبشرة أقرب إلى علم دقيق من كونها رحلة تجريبية لا تنتهي. في هذا الحوار، يكشف علي رحيمتولا رؤيته لمستقبل الجمال، حيث يلتقي العلم بالتخصيص والاستدامة في نقطة واحدة: البيانات.
كيف ترى دور البيانات في إعادة تعريف الاستدامة داخل صناعة الجمال خلال السنوات المقبلة؟
عندما نتحدث عن الاستدامة في الجمال، غالباً ما يتركّز النقاش حول العبوات والأنابيب والتغليف، وهذا مهم طبعاً، لكنه الجزء الأصغر من المشكلة. الهدر الحقيقي غير مرئي، وهو موجود داخل خزائن الحمّام: سيروم يُشترى بناءً على توصية عابرة، يُستخدم مرتين ثم يُترك. كل منتج من هذه المنتجات تم تصنيعه وشحنه وتغليفه، ثم لم يؤدِّ أي وظيفة. هذا بحد ذاته هدر لا يمكن للعبوات القابلة لإعادة التدوير أن تحلّه. ما تفعله البيانات هو أنها تعيد تشكيل لحظة القرار نفسها. عندما يصبح بالإمكان قياس ما يحدث داخل بشرة الإنسان فعلياً، يمكن توجيهه نحو المنتجات التي تصنع فرقاً حقيقياً، والأهم من ذلك، منعه من شراء ما لا يحتاجه. خلال العقد المقبل، أعتقد أن معيار العلامة المستدامة سيتحوّل من "مدى خضرة التغليف" إلى "هل اشترى العميل أقل، وبقي مع المنتج لفترة أطول، وحقق نتيجة ملموسة". عدد أقل من المشتريات الأكثر دقة هو شكل أعمق من الاستدامة، وهو في الوقت نفسه أفضل للعميل. هذه هي الاستدامة التي نريد لـ SkinIQ أن تمثلها، لأنها مبنية على الدليل لا على الشعارات.
SkinIQ يعتمد على تحليل مؤشرات حيوية في الدم لتقييم صحة البشرة. ما الأساس العلمي وراء هذه الفكرة؟
شيخوخة البشرة لا تبدأ على السطح، بل من الداخل: من عمليات مثل الالتهاب منخفض الدرجة، وتأثير السكر في الدم على تليّف الكولاجين، وعوامل النمو التي تتحكم في التجدد، إضافة إلى نقص عناصر غذائية مثل فيتامين D .عندما تظهر هذه التغيرات على شكل تجاعيد أو فقدان للتماسك، تكون قد بدأت منذ وقت طويل. SkinIQ يقرأ مجموعة من المؤشرات الحيوية في الدم تعكس هذه العمليات، ويحوّلها إلى "درجة صحة البشرة" من 100. ما يميز تحليل الدم عن الصور أو التقييم البصري هو أنه يكشف السبب لا النتيجة. إنه يقرأ ما يحدث قبل أن يظهر على السطح، أي عندما يكون قابلاً للتغيير. كما أن هذه الدرجة ليست ثابتة؛ يمكن إعادة اختبارها بعد حوالي 90 يوماً وملاحظة التغيير فعلياً، لأن معظم العوامل التي نقيسها يمكن التأثير عليها عبر نمط الحياة والتغذية والعلاجات المناسبة. سنقوم أيضاً بدراسة سريرية مع عيادات شريكة للتحقق من دقة النتائج.
هل يمكن لأدوات مثل SkinIQ أن تغيّر سلوك المستهلك من الشراء العاطفي إلى قرارات مبنية على الأدلة؟
أعتقد أنها يمكن أن تغيّر جزءاً من السلوك، لكن من غير الواقعي القول إنها ستلغي الجانب العاطفي، لأن الجمال في الأساس مرتبط بالشعور. ما تفعله الأداة هو أنها تمنح هذا الشعور أساساً واقعياً. بدلاً من "هذه العلامة ينصح بها المؤثرون"، يصبح القرار "مؤشر الالتهاب لدي مرتفع، وهذا المنتج هو ما أحتاجه فعلاً". التغيير الحقيقي لا يحدث في التجربة الأولى، بل عندما يعيد الشخص الاختبار ويرى التحسّن نتيجة قراراته. التحديات موجودة: الصبر، لأن النتائج تحتاج وقتاً، والعادة المستمرة في مطاردة الجديد، إضافة إلى خطر تحويل الأداة إلى مصدر قلق بدلاً من الطمأنينة. لذلك الهدف ليس الضغط، بل الفهم.
كيف يمكن لـ SkinIQ أن يصبح دليلاً موثوقاً في سوق مليء بالمعلومات المتضاربة؟
السوق لا يعاني من نقص المعلومات، بل من نقص المعلومة الموثوقة. الجميع لديه رأي، وكثير منها مرتبط بالبيع. الثقة تُبنى على ثلاث ركائز: القياس بدل الادعاء، البساطة عبر رقم واحد واضح، والصدق في حدود العلم. نحن نوضح دائماً ما يمكن أن يفعله العلم وما لا يمكنه، ونكون مستعدين لنقول إن بعض المنتجات لا تناسب الشخص حتى لو كان يمكننا بيعها له. الدليل الحقيقي أحياناً هو أن تقول للمستخدم: لا تحتاج أن تشتري شيئاً الآن.
هل تعتقد أن الجمال يتجه نحو مفهوم "الصحة القابلة للقياس" بدل المظهر فقط؟
نعم، وهذا التحوّل بدأ بالفعل. الحديث اليوم لم يعد عن "مكافحة الشيخوخة" فقط، بل عن صحة البشرة وطول عمرها. SkinIQ يمنح هذا التحول لغة رقمية. عندما يصبح بالإمكان قياس العمليات البيولوجية، يتغير السؤال من "كيف تبدو بشرتي؟" إلى "كيف تعمل بشرتي؟". هذا لا يلغي الجانب الجمالي، بل يعيد ترتيب العلاقة بين الشكل والوظيفة: ما يحدث في الداخل ينعكس على الخارج.
ما الذي يميز التخصيص البيولوجي الحقيقي عن ما يُقدَّم اليوم كمفهوم "تخصيص"؟
ما يُقدَّم اليوم غالباً هو استبيان: أسئلة بسيطة تقود إلى توصية عامة. أحياناً تحليل صورة، لكنه يظل سطحياً. التخصيص البيولوجي الحقيقي يعتمد على ما يحدث داخل الجسم فعلياً: الالتهاب، السكر، الفيتامينات. هو نظام فردي وديناميكي ويمكن إعادة قياسه. الأهم أنه قابل للتحقق: يمكن أن ترى التحسن أو التراجع بنفسك. البيانات لا تجامل، وهذا ما يجعلها أكثر دقة.
كيف يمكن لهذا النوع من القياس أن يغيّر صناعة الجمال ككل؟
عندما يصبح بإمكان المستهلك قياس النتيجة بنفسه، تصبح لغة التسويق غير كافية. عبارة "مثبت سريرياً" تفقد معناها ما لم تُترجم إلى تغيير فعلي. هذا سيدفع العلامات إلى تطوير منتجات تؤثر فعلاً على المؤشرات البيولوجية، لا فقط على الإحساس أو الصورة. وسيجعل الشفافية ضرورة وليس خياراً. لكن يجب الحذر من إساءة استخدام الأرقام أو خلق مقاييس زائفة. لذلك، الصدق العلمي هو الأساس.
هل يمكن أن يتحول SkinIQ إلى منصة أوسع للصحة الوقائية؟
نعم، لأن المؤشرات التي نقيسها في البشرة مرتبطة مباشرة بالصحة العامة: الالتهاب، التمثيل الغذائي، التغذية. البشرة ليست سوى نافذة على الداخل. الرؤية طويلة المدى هي دمج الجمال داخل مفهوم الصحة الوقائية، بحيث يصبح الروتين اليومي جزءاً من العناية بالجسم ككل. الجمال هنا ليس هدفاً منفصلاً، بل نتيجة لصحة أفضل. المقاييس موجودة اليوم، لكن ما يحتاج وقتاً هو بناء الثقة والعادة. والأهم أن يتم ذلك ببطء وصدق، لأن الاتجاه واضح ولن يتراجع.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.