في كل عام، يعود أسبوع دبي للتصميم ليذكّرنا بأن الإبداع ليس رفاهية، بل لغة تعيد صياغة علاقتنا بالمدينة، وبأن التصميم في دبي لم يعد مجرد حدث سنوي، بل نبض مستمر يعكس روح مدينة تتنفس الابتكار وترى في الجمال قوة ناعمة لصناعة المستقبل. في نسخته الحادية عشرة، بدا الحدث وكأنه احتفال بالحس الإنساني قبل أي شيء آخر؛ جسراً بين تراث منطقتنا وفضاءات عالمية لا تعرف حدوداً، ومختبراً مفتوحاً يجتمع فيه فنانو العالم، ليبرهنوا أن الجمال الحقيقي يولد من الفكرة الشجاعة، ومن التفاصيل التي تلامس الروح قبل العين.
تحت رعاية سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، وبمشاركة أكثر من ألف مبدع من أكثر من خمسين دولة، استقبل حي دبي للتصميم الزوار بمشهد بصري غني، يجعل المرء يشعر وكأنه يسير داخل مدينة موازية، حيث تمتزج الحرفية بالتكنولوجيا، وتلتقي الطبيعة بالهندسة، وتتحول مساحات الحلم إلى واقع يمكن أن نلمسه.
في قلب الحدث، عاد معرض داون تاون ديزاين ليؤكد مكانته كمنصة رائدة للتصميم المعاصر. من بولترونا فراو وكارتيل إلى المشاركات الخليجية الواعدة، كانت المنصات حكايات من الخشب والزجاج والمعدن، ومن رؤى تحمل توقيع مبدعين آمنوا بأن الأشياء ليست مجرد أدوات، بل رسائل تعكس أسلوب الحياة. لفتني شخصياً حضور علامات تُعيد تعريف مفهوم الفخامة، ليس عبر البريق وحده، بل عبر الحرفة التي تحتاج إلى صبر ويد تعرف معنى الإتقان. ومن لبنان إلى السعودية، مرّت التجارب الإبداعية أمامنا كخيوط منسوجة بعناية: إحساس من الشرق، لكنه موجه للكون كله.
أما ذا فوروم، فكان بمثابة عقل المعرض وروحه، بحواراته التي شارك فيها روّاد التصميم العالميون مثل توم ديكسون ومارسيل واندرز، إلى جانب وجوه عربية تثبت أن منطقتنا لم تعد على الهامش، بل في صميم السرد الإبداعي العالمي. الحديث هنا لم يكن عن الجمال فحسب، بل عن المسؤولية البيئية، عن إعادة التفكير في المواد، عن تصميم يعيش معنا أطول مما تفرضه نزعة الاستهلاك السريع.
وفي معرض إيديشنز آرت آند ديزاين، انصهر الفن بالتصميم في تجربة تذكّر بأن العمل الجميل قد يكون قطعة أثاث أو منحوتة أو حتى تجربة حسّية تُولد في لحظة وتعيش في الذاكرة. حضور فنانين من منطقتنا حمل بعدًا وجدانيًا خاصًا، كأن كل قطعة تقول: هذا هو الشرق كما نراه نحن، لا كما تُروى حكايتنا في الخارج.
من جهة أخرى، حمل برنامج "أبواب" روحًا شعرية، محتفياً بفكرة الزخرفة كبصمة ثقافية تجمع بين الذاكرة والهوية. المشروع الفائز من البحرين، "حكايات الحواف البحرية"، كان قصيدة للأرض والماء والكائنات التي تربطنا بهذا المكان، بلغة خيوط مطرزة تحكي قصة جزيرة لا تريد أن يفلت زمنها من الذاكرة.
اللافت أيضاً كان "الأشغال المدنية" التي أعادت تعريف الفناء العربي بوصفه قلب البيت وفضاء الحياة الاجتماعية، لكنها قدّمته اليوم كبنية مستقبلية تتنفس وتتحرك وتدعو الناس للتجمع بعيداً عن صخب المدن.
ختاماً، لا يمكن تجاهل الحضور اللافت للأعمال التركيبية التي حوّلت الحي إلى معرض مفتوح، حيث التقنية تتفاعل مع العاطفة، والضوء ينسج القصائد، والمساحات تُقرأ كما تُقرأ القصص. كان لافتاً كيف استطاعت هذه الأعمال أن تتحدث مع الزائر بلا كلمات، تدعوه ليتأمل ويفكر ويشعر.
أسبوع دبي للتصميم هذا العام لم يكن مجرد منصة عرض، بل حواراً صادقاً مع روح المكان ومع معنى الجمال في عالم يتغير كل يوم. وهنا، في دبي، نرى بوضوح كيف يصبح التصميم طريقة حياة، وكيف يتحول الجمال إلى رسالة، وإلى وعد بمستقبل نصنعه بأيدينا، وبخيال يليق بمدينة اختارت أن تكون عاصمة للحلم والإبداع.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.