في مطعم IKKA، حيث يلتقي فن الطهو مع الإطلالة البحرية على أفق دبي، يتحوّل الفن إلى تجربة معيشة يومية. فالمطعم البيروفي–الياباني يحتضن أول معرض للفنانة السعودية المقيمة في باريس ريم علي، ضمن برنامج فني متجدّد يُقدَّم داخل مساحة المطعم نفسها، في تجربة تمزج الفن بالموسيقى والكوكتيلات وأجواء السهر.
يحمل المعرض عنوان On Recovery as a Practice ، ويطرح فكرة التعافي بوصفه عملية مستمرة وليست محطة نهائية. من خلال صور وأعمال بصرية حسّاسة، تستكشف ريم علي عوالم المرأة الداخلية، ومساحات البيت، والتوتر الصامت بين الحميمية والعزلة. في هذا الحوار، نتحدث معها عن مفهوم التعافي، وعن حضور البيت في لغتها البصرية، وعن معنى عرض أعمالها في فضاء حيّ مثل المطعم حيث يلتقي الفن بالحياة اليومية.
يقدّم معرضك On Recovery as a Practice فكرة التعافي كعملية مستمرة وليست حالة مكتملة. ما التجارب الشخصية أو الجماعية التي دفعتك إلى التفكير في التعافي بوصفه مساراً دائرياً نعيشه، لا مرحلة تنتهي؟
معظم التحوّلات الشخصية التي مررت بها، وكذلك تلك التي شاهدتها في حياة النساء من حولي، قادتني إلى فهم التعافي بهذه الطريقة. كثيراً ما وجدت نفسي في موقع المراقِبة، وهذا جعلني أكثر انتباهاً للتناقضات الوجودية والشاعرية الكامنة في هذه العملية. أدركت أن النساء، أثناء رحلة التعافي، يفقدن نسخاً عديدة من أنفسهن. لذلك لا يبدو التعافي عودة إلى ما كان، بل أشبه بتفاوض مستمر مع الذات.
يشكّل الفضاء المنزلي عنصراً أساسياً في لغتك البصرية. كيف تعيدين قراءة البيت، ليس كخلفية للأحداث، بل كشخصية عاطفية ووجودية داخل أعمالك؟
خلال نشأتي، أمضيت معظم وقتي داخل المنزل، وخصوصاً في بيت جدتي. كانت المساحات الخارجية محدودة، بل ومقيَّدة في أحيان كثيرة. بشكل حدسي، شكّلت هذه المساحات المنزلية لغتي البصرية والشاعرية من دون تخطيط واعٍ. مع مرور الوقت بدأت أرى وأشعر بالعالم من خلالها. طوّرت تقديراً عميقاً لهذه الأماكن رغم ازدواجيتها العاطفية، وهو ما أواصل استكشافه في أعمالي.
غالباً ما تستكشفين التوتر بين الحميمية والعزلة في العوالم الداخلية للنساء. كيف تعالجين هذا التوتر بصرياً من دون الإفراط في تفسيره؟
أطرح على نفسي أسئلة مشابهة خلال العملية الإبداعية. أكثر الأساليب التي أشعر بالانجذاب والراحة معها هو التعبير عبر السكون. غالباً ما أقدّم شخصيات نسائية في حالة جمود داخل فضاءات منزلية. لكن هذا السكون ليس حيادياً أبداً، بل يحمل توتراً خفياً. ليس بالضرورة مريحاً أو مألوفاً. يمكن للمتلقي أن يشعر بثقل الهواء، وكثافة الأفكار، وحضور أحلام اليقظة المعلّقة في المكان.
يُعرض هذا المعرض داخل مطعم لا داخل صالة عرض تقليدية. كيف يغيّر تقديم أعمالك في فضاء حيّ يختلط فيه الصوت والطعام والتفاعل الاجتماعي طريقة تلقّي الجمهور لأعمالك؟
أعمالي تحمل طابعاً حميمياً للغاية. في معارض سابقة لاحظت أن الزوّار غالباً ما يقتربون جسدياً من الصور، كما لو كانوا يستجيبون لإحساس بالألفة أو القرب العاطفي. فكرة أن تُشاهَد الأعمال من مسافة، بينما يتناول الناس طعامهم أو يتحدثون مع بعضهم، كانت تجربة جديدة بالنسبة لي. لقد منحتني منظوراً مختلفاً، وجعلتني أعيد التفكير في أعمالي ضمن سياقات مكانية واجتماعية أخرى.
يُعدّ IKKA المطعم الوحيد في دبي الذي يضم معرضاً فنياً دائماً وبرنامجاً فنياً متجدداً. ماذا يعني لك عرض أعمالك في مكان يصبح فيه الفن جزءاً من طقس يومي، لا حدثاً خاصاً يُقصد بحد ذاته؟
يعني لي الكثير أن توجد الأعمال داخل إيقاع الحياة اليومية بدلاً من أن تكون معزولة كحدث رسمي. عندما يصبح الفن جزءاً من طقس يومي، يمكن للناس أن يلتقوا به بشكل أكثر حدسية ومن دون توقّع مسبَق. هذا النوع من اللقاء يشبه إلى حد بعيد الطريقة التي تعمل بها الذاكرة نفسها.
خلفيتك الأكاديمية في علم الأحياء لافتة. كيف يؤثر التفكير العلمي، مثل الملاحظة والصبر والبنية، في طريقتك الفنية اليوم؟
دراسة علم الأحياء درّبتني على ملاحظة التغيّرات الدقيقة واحترام العمليات التي تتشكّل ببطء مع الزمن. علّمتني الصبر والانتباه للتفاصيل. أعتقد أن هذا ينعكس في ممارستي الفنية، خصوصاً في طريقة عملي مع الزمن والتكرار والإيماءات الهادئة. هناك أيضاً شيء في فعل المراقبة من دون التدخّل، وهو أمر أشعر بحضوره بقوة في أعمالي.
بصفتك فنانة عصامية تعمل عبر التصوير الفوتوغرافي والفيديو والنص، كيف تشكّلت لغتك البصرية؟ وهل تأثرت بفنانين أو تيارات فكرية معيّنة؟
تشكلت لغتي البصرية إلى حد كبير من خلال الأماكن التي عشت فيها، وخصوصاً منزل جدتي. رغم بساطته، كان مليئاً بالأقمشة والأنماط والتباينات البصرية الدقيقة داخل فضاء متواضع. يمكنني أن أرى أثر هذه الحساسية البصرية في أعمالي اليوم. كما لعب الأدب، ولا سيما كتابات النساء، دوراً مهماً في تشكيل اهتماماتي وتعميق انتباهي للعوالم الداخلية للمرأة. تأثرت كثيراً بكتابات كلاريس ليسبكتور، وإيمان مرسال، وسيلفيا بلاث.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.