في هذا الوقت من كل عام، تتحوّل ميلانو إلى مسرح حيّ تتقاطع فيه كل لغات الإبداع. من الشوارع الهادئة إلى صالات العرض الصاخبة، يصبح التصميم حواراً مفتوحاً بين الماضي والحاضر، وبين الحرفة والابتكار. خلال أسبوع ميلانو للتصميم ومعرض Salone del Mobile، لا تُعرض القطع فقط، بل تُروى قصص كاملة عن الهوية، والذاكرة، والخيال. هنا، لا شيء عادي—حتى التفاصيل الصغيرة تحمل وزن فكرة كبيرة.
حرفية تُولد من جديد
في قلب هذا المشهد، ، تواصل "ديور ميزون" تعاونها المثمر مع المصمم "نويه دوشوفور-لورانس"، مقدّمةً إصدارات جديدة من مصابيح "كورول". يبتكر الفنان الفرنسي، الحائز على جوائز عالمية، أعمالاً تستمد قوتها من الروابط الحسية العميقة التي تنسجها علاقة الإنسان ببيئته.
وقد صمّم لـ"ديور ميزون" وحدات إضاءة يتقاطع فيها الطابع الراقي "كوتور" مع فن العيش الرغيد. وتجسّد هذه القطع المتفرّدة روح أسلوب "نيو لوك" الأيقوني الذي أرساه "كريستيان ديور"، كما تعيد صياغة الخطوط المميّزة لتنورة "كورول" برؤية متجددة تنبض بالأناقة. شُكِّل الغطاء الزجاجي بتقنية النفخ بالفم، وفق تقاليد أبرز صانعي الزجاج في مورانو، البندقية، مستلهمًا انسيابية القماش في حركته، من الكسرات إلى الانسدالات، ليكتسب مظهرًا مرنًا وخفيفًا يفيض رهافة.
أما وحدات الإضاءة الأخرى، فتحتفي بفنّ صناعة السلال التقليدية؛ إذ تُقطع ألياف خيزران "ماداكيه"، وتُصقَل، ثم تُنسج لتشكّل أنماطًا هندسية محدّدة البنية تستحضر نمط "كاناج" الأيقوني. وقد صيغت هذه الابتكارات على مدى زمني ممتد، وفق وتيرة تضاهي تلك المعتمدة في مشاغل 30 "مونتين"، لترتقي إلى مصافّ القطع الفنية، وتُجسّد جوهر الدار بأبهى تجلّياته.
التصميم كأرشيف حيّ
بعيداً عن صخب العروض، تحتضن Triennale Milano مجموعة من المعارض التي تعيد قراءة تاريخ التصميم بأسلوب معاصر. من بينها، مشروع Eames Pavilion System الذي يعيد تخيّل منزل تشارلز وراي إيمز الشهير كنظام معماري قابل للبناء عالمياً. هنا، يتحوّل الإرث إلى فكرة قابلة للتكرار، دون أن يفقد روحه الأصلية.
وفي استعراض استثنائي، يحتفل الثنائي البريطاني Barber & Osgerby بثلاثة عقود من العمل عبر معرض "Alphabet"، الذي لا يكتفي بعرض التصاميم، بل يكشف تطوّر الفكر التصميمي نفسه. أما معرض Fredericia، فيغوص في أكثر من قرن من التصميم الدنماركي، حيث تلتقي أعمال أسطورية بأخرى معاصرة، في حوار بصري يعكس كيف يمكن للفكرة أن تعيش عبر الزمن.
ومن بين أبرز المحطات أيضاً، معرض مخصص للممصممين ليلا وماسيمو فينييلي، يستعرض مسيرتهما التي امتدت لستة عقود بين ميلانو ونيويورك، حيث شكّلا لغة بصرية لا تزال تؤثر حتى اليوم. وفي مكان آخر، يُروى تاريخ مختلف تماماً عبر عدسة المصوّر دون برونستين، الذي وثّق مشهد الجاز في شيكاغو، ليؤكد أن التصميم لا يقتصر على الأثاث أو المنتجات، بل يشمل الصورة، الصوت، والإحساس.
عندما تدخل الموضة عالم التصميم
لم تعد العلامات الفاخرة تكتفي بمنصات العرض التقليدية، بل أصبحت ترى في أسبوع التصميم مساحة جديدة للتعبير. Bottega Veneta، على سبيل المثال، تتعاون مع الفنان الكوري كوانغهو لي لتقديم تركيب ضوئي يحمل عنوان "Lightful"، وهو تركيب ضوئي خاص بالموقع، يجمع بين الأشكال المنسوجة المعلّقة التي تميّز أسلوب لي، ومنحوتات ضوئية جديدة مصنوعة من شرائط الجلد الخاصة بالدار. تأتي هذه القطع بألوان الأسود والأخضر، التي اختارتها المديرة الإبداعية Louise Trotter، وتتميّز ببنية عضوية غير منتظمة تعكس مرونة المادة وإمكانياتها.
يعتمد العمل على التفاعل بين النسيج والضوء، حيث تتقاطع الظلال مع الخامات لتخلق تجربة بصرية متحوّلة، تعزّز بحث الفنان المستمر في تداخل المواد والأسطح. ويشكّل هذا المشروع التعاون الثالث بين لي والدار، بعد مشاركته في عرض صيف 2026، ومعرض “Weaving the World” في سيول عام 2025.
وخلال تطوير العمل، زار لي مشغل الدار في Montebello Vicentino، حيث اطّلع على تقنيات الحِرفيين المتخصصين في الجلد، ما أضاف بعداً عملياً إلى تجربته القائمة على التجريب المادي، والتي تشمل استخدام مواد متنوعة مثل النحاس، الرخام، والألمنيوم، إلى جانب تقنيات النسج التقليدية.
بدورها، تقدّم Hermès رؤية معمارية صاغتها Charlotte Macaux Perelman بالتعاون مع Alexis Fabry، تقوم على تركيب مؤلف من ثلاثين عموداً مستطيلاً يتراوح ارتفاعها بين 80 سنتيمتراً وثلاثة أمتار، مزينة بنقوش غرافيكية خشبية، ترسم ممرات وتفتح زوايا نظر متعدّدة داخل الفضاء.
يتحوّل المكان إلى مسار بصري حيث يتفاعل الامتلاء مع الفراغ، فيما تتكرّر الأعمدة بإيقاع يحاكي حركة الحرفي وإصراره. يتجاور الجص وخشب الزان ليشكّلا خلفية مادية للأعمال، حيث تتداخل القوامات وتبرز التباينات اللونية والزخرفية ضمن قطع تجمع بين الدقّة والحسّ الحرفي. على امتداد الممرات، تتوزّع عناصر من المجموعة الجديدة: بطانية من الكشمير والكتان بخياطات متقاطعة بألوان الأزرق والأحمر والأخضر والأوكر، تتشكّل منها حروف الدار. إلى جانبها، أوانٍ معدنية مطروقة، أباريق ومزهريات بحواف لامعة تتدرج بين الأسود والبنفسجي، مكسوّة بأشكال هندسية بدرجات البني الداكن، الأخضر، والأزرق. هذا وتظهر صناديق بترصيع جلدي تتخللها مستطيلات تشبه مفاتيح البيانو، تتنقل بينها درجات البرتقالي والأسود والأحمر القاني. وعلى الأقمشة، تتقاطع تأثيرات الصباغة المقاومة مع التطريز لتشكّل شبكات هندسية وأقراصاً لونية. في الوسط، طاولة رخامية بتفاصيل مستوحاة من عالم الفروسية، تحيط بها خطوط دقيقة ونابضة.
Marni تختار نهجاً أكثر حميمية، عبر تعاون مع مقهى ميلاني عريق، حيث تمتد الهوية البصرية للعلامة إلى كل تفصيل، من الأقمشة إلى تغليف الحلويات. حتى Isabel Marant تدخل هذا العالم عبر مزج الأزياء مع قطع تصميم نادرة، في تجربة تجمع بين الموضة والتاريخ في مساحة واحدة.
أما Issey Miyake، فتذهب أبعد، مستفيدة من بقايا عملية الطيّ الخاصة بها لتحويلها إلى عناصر تصميمية جديدة، في مشروع يعيد تعريف مفهوم الاستدامة بطريقة شاعرية.
اما Chloé، وتحت الإدارة الإبداعية لـ Chemena Kamali، عن إعادة إصدار حصرية لكرسي Tomato، الذي صمّمه عام 1970 Christian Adam بالتعاون مع Poltronova . يعكس الكرسي روح التصميم الراديكالي من خلال شكله العضوي المنحوت الذي يحتفي بالراحة والحسية، مبتعداً عن الصلابة التقليدية. يأتي هذا الإصدار ضمن رؤية الدار لتوسيع عالمها إلى ما يتجاوز الأزياء، حيث يلتقي التصميم بأسلوب حياة معاصر. يُعاد إنتاج الكرسي بنسخ محدودة حسب الطلب، باستخدام جلد طبيعي ناعم بألوان cream وcognac وsand وblack، ما يبرز نقاء خطوطه ويعزّز حضوره البصري.
البطانية كفن لدى Loro Piana
ف زمن تتحوّل فيه التفاصيل الصغيرة إلى لغة قائمة بذاتها، تضع دار Loro Piana البطانية (Plaid) في قلب المشهد، ليس كقطعة تزيينية فحسب، بل كعنصر أساسي يعيد تعريف مفردات التصميم الداخلي. فمنذ منتصف الثمانينيات، شكّلت البطانيات، إلى جانب الأوشحة، أولى منتجات الدار، لتصبح لاحقاً مساحة حرة للتجريب، حيث تلتقي الحِرفية بالدقة، وتُختبر الخامات والتقنيات بنَفَس إبداعي مفتوح.
ضمن هذا الإطار، تأتي سلسلة Studies كمقاربة تحليلية للتصميم الداخلي، تعتمد على دراسات حالة دقيقة، تركز كل منها على عنصر محدد أو وظيفة بعينها. المشروع ليس ثابتاً، بل يتطوّر مع الوقت، عبر فصول متتالية تفتح مجالات جديدة للاستكشاف.
في فصله الأول، يتحوّل العرض إلى تجربة بصرية أشبه بممرّ اكتشافي، حيث يواجه الزائر 23 بطانية، كل واحدة منها تُقدَّم كدراسة مستقلة. تتنوّع هذه القطع من حيث التقنيات والبُنى والنقوش والتشطيبات، لتشكّل معاً أرشيفاً حيّاً يعكس تعددية المقاربات داخل عنصر واحد.
اللافت أن العرض لا يكتفي بالنتيجة النهائية، بل يكشف أيضاً عن المادة الخام: الألياف والخيوط. هنا، يظهر جوهر هوية الدار، حيث تُعرض هذه العناصر جنباً إلى جنب مع العمليات التي تحوّلها، لتُبرز البطانية كحصيلة ممارسة دقيقة، لا مجرد منتج نهائي.
من التطريز إلى النسيج اليدوي، ومن الطباعة إلى الباتشورك، تدخل التقنيات في حوار غني مع الخامات، التي تشمل الفيكونيا، والكشمير الصغير، وصوف Gift of Kings® ، إلى جانب ابتكارات مثل Cashfur وPecora Nera® .
بين الضوء والمادة
في تقاطع لافت بين الأزياء والتصميم، يقدّم المصمم نويه دوشوفور-لورانس مجموعة جديدة من مصابيح Corolle لصالح Dior، مستوحاة من أرشيف الدار. هنا، يتحوّل الزجاج إلى قماش، والضوء إلى خامة بحد ذاته. كل قطعة تعكس تلاعب دقيق بين الشفافية والنقش، مستحضرةً تفاصيل التول والدانتيل ولكن بلغة مختلفة تمامًا.
هذه المصابيح، المصنوعة من زجاج فينيسي يدوي، لا تضيء المكان فقط، بل تعيد تعريف العلاقة بين الشكل والوظيفة. الضوء لا ينبعث منها فحسب، بل يتشكّل داخلها، كما لو أنه مادة تُصاغ وتُشكَّل. في هذه اللحظة تحديداً، يصبح من الواضح أن التصميم لم يعد يدور حول ما نراه فقط، بل حول ما نشعر به أيضًا.
وبين كل هذه المشاريع، يبرز خيط واحد يربطها جميعاً: العودة إلى الحرفة، لكن بعين جديدة. في ميلانو اليوم، لا يُعاد إنتاج الماضي، بل يُعاد تخيّله—بطريقة أكثر جرأة، وأكثر صدقاً، وربما أكثر إنسانية.
بوتشيلاتي توسّع مجموعة كافيار
كشفت دار بوتشيلاتي الراقية عن إضافات جديدة إلى تشكيلتها الشهيرة كافيار، التي تمثل إحدى أبرز لغات التصميم لدى الدار وأكثرها تميزاً، حيث تعيد صياغة مفهوم الفخامة من خلال أسطح فضية تتشكل من كريات صغيرة دقيقة مشغولة يدوياً، تحاكي حبيبات الكافيار الفاخر. وتتوزع هذه الزخارف على مجموعة واسعة من أدوات المائدة، تشمل الملاعق والصواني والأطباق ودلاء الثلج، إلى جانب قطع زجاج مورانو وكؤوس الفلوت، في تكوين يوازن بين الوظيفة والحضور الجمالي. وتتوسع المجموعة اليوم مع إضافات تشمل طقماً متكاملاً من أدوات المائدة، ووعاءين مزينين بكريات الكافيار بأحجام مختلفة، إضافة إلى طبق للخبز يعزز البنية العملية للتشكيلة.
ويعيد أندريا بوتشيلاتي ابتكار زخارف الكافيار انطلاقاً من رسم أصلي صمّمه بنفسه، حيث تتشكل وحدات كروية فضية دقيقة تمنح الأسطح طابعها المميز، وتبرز هذه اللغة التصميمية أيضاً في كأس كراتيري ديلي موزي لعام 1981، أحد أبرز أعمال جيانماريا بوتشيلاتي. ينتمي هذا الكأس إلى تشكيلة أوجيتي بريتزويسي للمتقنيات الثمينة، وقد صيغ من الفضة والذهب وأحجار اليشم والياقوت الأزرق، ليعكس مستوى الحِرفية الذي يميز إرث الدار.
وتواصل مجموعة أدوات المائدة الجديدة ترسيخ هذا التقليد الحرفي، مع اعتماد تقنيات صياغة فضة يدوية تمنح كل قطعة طابعاً فريداً ورونقاً بصرياً متمايزاً يعكس استمرارية الهوية التصميمية للدار.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.