حوار عن الهوية، والسرعة، والفن كوسيلة للتواصل الإنساني مع الفنانة القطرية غادة السويدي | Gheir

حوار عن الهوية، والسرعة، والفن كوسيلة للتواصل الإنساني مع الفنانة القطرية غادة السويدي

ديزاين  Jun 10, 2026     
×

حوار عن الهوية، والسرعة، والفن كوسيلة للتواصل الإنساني مع الفنانة القطرية غادة السويدي

للعام الثاني على التوالي، تعاونت مبادرة الأعوام الثقافية في قطر مع بيير غاسلي، سائق فريق بي دبليو تي ألبين للفورمولا 1، لإضفاء لمسة فنية معاصرة على عالم الفورمولا 1 فائق السرعة. وتتمحور الفكرة حول دعوة فنانين من مختلف أنحاء العالم لتصميم خوذات لسباقات مختارة، محولةً بذلك واحدة من أكثر المنصات الرياضية مشاهدةً إلى فضاءٍ لسرد القصص الثقافية.

وفي السباق المقبل من جائزة كندا الكبرى للفورمولا 1، سيظهر غاسلي لأول مرة بخوذة صمّمتها الفنانة القطرية غادة السويدي، وهي عمل فني متعدد الطبقات يعكس بصمتها الفريدة، والتي تتمثل في الطابع المرح الذي يستمد جذوره من الثقافة ويعبّر في الوقت ذاته عن روح معاصرة واضحة.

في هذا الحوار، تكشف لنا غادة كيف يمكن للفن أن يجد مكانه داخل عالم الفورمولا 1. بين خوذة تتحرك بسرعة هائلة وقصص تنبض بالذاكرة والهوية، تتحدث عن الإبداع العربي المعاصر، وعن قدرتها على تحويل التفاصيل اليومية في قطر إلى لغة بصرية تصل إلى جمهور عالمي. حوار عن الهوية، والسرعة، واللحظة التي يصبح فيها التصميم وسيلة للتواصل الإنساني العابر للحدود.

عملك متجذّر بعمق في الثقافة البصرية القطرية، لكنه يُعرض اليوم على واحد من أكثر المشاهد الرياضية عولمة في العالم. ماذا يعني لك أن تُدخلي صوتًا فنيًا عربيًا إلى مساحة تُهيمن عليها تقليديًا العلامات البصرية الغربية؟

بالنسبة لي، هي فرصة لإظهار أن الإبداع العربي المعاصر ينتمي بشكل طبيعي إلى المنصات العالمية. الفورمولا 1 هي واحدة من أكثر المنصات الرياضية حضورًا وتأثيرًا في العالم، ومن خلال مبادرة “الأعوام الثقافية” تتحوّل إلى مساحة يمكن أن يحدث فيها تبادل ثقافي بطرق غير متوقعة. أكثر ما أحبه في هذا التعاون هو أنه يخلق لحظات من الاكتشاف. قد يلاحظ أحدهم أولاً الألوان أو الأشكال أو الرسومات على الخوذة، لكن هذا الفضول البصري قد يقوده إلى التساؤل عن مصدر هذه الإشارات والقصص التي تحملها. وبهذا المعنى، يصبح العمل أكثر من مجرد تصميم، بل دعوة للتعرّف إلى قطر والمنطقة والهوية الإبداعية التي تشكّل جيلاً جديدًا من الفنانين العرب.

بالنسبة لكثيرين، كان يُنظر إلى الفن العربي لسنوات طويلة من منظور محدود أو نمطي دوليًا. هل تشعرين أن هناك جيلًا جديدًا من الفنانين العرب يعيد اليوم تشكيل هذه السردية؟ وماذا تأملين أن يفهم الجمهور الدولي عن المنطقة من خلال عملك؟

بالتأكيد. هناك جيل من الفنانين في مختلف أنحاء العالم العربي يقدّم أعمالًا متنوعة جدًا، تجريبية، مرحة، ومعاصرة. الحقيقة أنه لم يكن هناك يومًا “قصة عربية واحدة” أو “جمالية عربية واحدة”، لكن اليوم لدينا منصات أكثر لنشارك هذا التعقيد مع الجمهور الدولي. من خلال عملي، آمل أن يرى الناس الجانب اليومي من الحياة في قطر والمنطقة. غالبًا ما أستلهم من الذكريات المحلية، والأحياء السكنية، والأشياء المألوفة، ولحظات الحنين. هذه المواضيع شخصية جدًا، لكنها في الوقت نفسه إنسانية وعالمية. أريد للجمهور أن يفهم أن قصصنا لا تحددها الصور النمطية، بل هي مليئة بالمرح، والإبداع، والعاطفة، والتجارب الإنسانية التي يمكن لأي شخص في العالم أن يتماهى معها.

الفورمولا 1 تقوم على السرعة والتكنولوجيا والأداء، بينما يدعو الفن غالبًا إلى البطء والتأمل والعاطفة. كيف تعاملتِ مع دمج هذين العالمين المتناقضين في قطعة واحدة مثل خوذة بيير غاسلي؟

هذا التناقض هو ما جذبني في الأساس. خوذة الفورمولا 1 تكون دائمًا في حالة حركة وتُشاهد في لحظات قصيرة جدًا، لذلك كان التحدي هو ابتكار عمل بصري فوري في تأثيره، لكنه يحمل في الوقت نفسه معنى أعمق. تعاملت مع الخوذة كأنها لوحة متحركة. كان يجب أن يمتلك التصميم طاقة وجرأة كافية ليعمل داخل بيئة سريعة الإيقاع مثل هذه الرياضة، لكنني أردت أيضًا أن يكافئ النظرة المتأنية. حتى لو لم يلتقط الناس سوى لمحة أثناء السباق، آمل أن تثير الصور فضولهم وتدفعهم لاكتشاف القصة خلفها. بهذا المعنى، يمكن للسرعة والتأمل أن يتعايشا: السرعة تجذب الانتباه، والقصة تصنع الاتصال.

هذا التعاون يجمع بين قطر وكندا والمكسيك من خلال سرد ثقافي مشترك يُجسّد على خوذة فورمولا 1. كيف ترين مبادرات مثل “الأعوام الثقافية” وهي تعيد تعريف مفهوم “الدبلوماسية الثقافية” اليوم، خصوصًا للفنانين المعاصرين مثلك؟

أعتقد أن الدبلوماسية الثقافية اليوم أصبحت أكثر إبداعًا وتعاونًا وانفتاحًا. لم تعد محصورة في المساحات الثقافية التقليدية. الناس يكتشفون الفن والثقافة من خلال الرياضة والتكنولوجيا والتصميم واهتمامات مشتركة أخرى تربط الجمهور عبر الحدود. ما أقدّره في “الأعوام الثقافية” هو أنها تخلق فرصًا حقيقية للتبادل بدل الاكتفاء بعرض الثقافة كشيء ثابت. نحن كفنانين نشارك في حوارات تربط مجتمعات ومنظورات مختلفة. مشروع مثل هذا يبيّن أن الثقافة يمكن أن تسافر بطرق غير متوقعة، لتصل إلى أشخاص قد لا يزورون المعارض، لكنهم منفتحون على اكتشاف أفكار جديدة من خلال شيء يحبونه مثل الفورمولا 1.

ما زال كثير من الجمهور الغربي يربط الإبداع العربي بالتقاليد فقط، بينما يبدو عملك مرحًا، عصريًا، وجريئًا بصريًا. هل تعتقدين أن الفنانين العرب المعاصرين ينجحون في تحدي هذه الأفكار القديمة حول الهوية العربية؟

نعم. ما هو مثير هو أن الفنانين في المنطقة يُظهرون مدى ديناميكية وتعدد الهوية العربية. التقليد ما زال مصدر إلهام مهم، لكنه يتعايش مع المؤثرات المعاصرة، والثقافة الرقمية، والحوار العالمي، والتجارب الشخصية. بالنسبة لي، استخدام اللون، والرسوم، والفكاهة، والتجريب هو انعكاس مباشر لهويتي كفنانة. الهوية العربية ليست صورة ثابتة، بل هي في تطوّر مستمر، مثل أي ثقافة أخرى. أعتقد أن الفنانين المعاصرين يساعدون في توضيح أننا نستطيع أن نحترم تراثنا، وفي الوقت نفسه ننتج أعمالًا تبدو حديثة، متجددة، وتطلعية.

بصفتك فنانة قطرية تعملين على تعاون دولي بهذا الحجم، كيف رأيتِ تطوّر أنظمة دعم النساء المبدعات محليًا خلال السنوات الماضية؟ وهل ترين اليوم مساحة حقيقية للنساء لقيادة الحوار الثقافي في المنطقة؟

شهدتُ نموًا كبيرًا خلال السنوات الماضية. هناك اليوم منصات ومؤسسات وفرص إرشاد ومبادرات عامة أكثر من أي وقت مضى لدعم المسارات الإبداعية. الشابات اليوم لديهن إمكانية الوصول إلى نماذج لفنانات ومصممات وقائدات ثقافيات يساهمن فعليًا في تشكيل المشهد الإبداعي. كما أن المؤسسات والبرامج في قطر، بما في ذلك مبادرات مثل “الأعوام الثقافية”، ساعدت في خلق فرص للفنانات لعرض أعمالهن خارج المنطقة والمشاركة في حوارات عالمية. ما هو مشجّع بشكل خاص أن النساء لا يشاركن فقط في هذه الحوارات، بل يساهمن في صياغتها أيضًا. لا يزال هناك دائمًا مجال للنمو، لكنني أشعر أنني محظوظة لأنني أنتمي إلى جيل تم تشجيعه على التعبير عن نفسه والتواصل مع الجمهور محليًا ودوليًا.

هذا التعاون يحوّل خوذة فورمولا 1 إلى بيان ثقافي متحرك يُشاهَد من قبل ملايين الأشخاص حول العالم. هل تعتقدين أن الرياضة أصبحت اليوم واحدة من أقوى المنصات الجديدة للدبلوماسية الثقافية وسرد القصص الفنية؟

للرياضة قدرة فريدة على جمع الناس عبر اللغات والخلفيات والحدود. إنها تخلق تجربة مشتركة، وهذا ما يجعلها مساحة قوية جدًا للتبادل الثقافي. ما أراه مثيرًا هو أن الجمهور الذي يأتي من أجل المنافسة يتعرّض أيضًا لقصص وأفكار ومنظورات ربما لم يكن ليكتشفها لولا ذلك. من خلال مبادرات مثل “الأعوام الثقافية”، تتحول هذه اللحظات إلى فرص للتواصل. يمكن للفن أن يقدّم للناس مدخلًا إلى مكان أو ثقافة أو طريقة تفكير مختلفة، بينما توفّر الرياضة المنصة العالمية التي تجمع الجميع.

بالنسبة لي، هذه هي الدبلوماسية الثقافية اليوم: ليس مجرد عرض الثقافة، بل خلق نقاط تواصل حقيقية بين الناس. عندما يدخل الإبداع إلى مساحات تمتلك جمهورًا واسعًا ومتعددًا، يصبح الحوار أكبر وأكثر شمولية.

عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.

الديزاين