العالم يظن أننا اعتدنا الحرب… الحقيقة أننا نتشبّث بالإيمان كي نمضي ونستمر | Gheir

العالم يظن أننا اعتدنا الحرب… الحقيقة أننا نتشبّث بالإيمان كي نمضي ونستمر

ديزاين  Jun 11, 2026     

العالم يظن أننا اعتدنا الحرب… الحقيقة أننا نتشبّث بالإيمان كي نمضي ونستمر

لطالما كان تاريخ منطقتنا العربية مرتبطاً بالحروب والصراعات، لكنه كان أيضاً مرتبطاً بالصمود ومحاولات النجاة المستمرة. من الحروب المصرية مع إسرائيل، إلى الحرب الأهلية اللبنانية، والحروب الإسرائيلية على لبنان، والحرب العراقية الإيرانية، والحرب الأميركية على العراق، ثم الحروب التي تفجّرت مع ما سُمّي بالربيع العربي في سوريا وليبيا واليمن، وصولاً إلى حرب غزة والحرب الأخيرة على لبنان، عاشت شعوب هذه المنطقة تحت ضغط الخوف والتهجير والخسارة لعقود طويلة. في لبنان تحديداً، لم تكن الحرب حدثاً طارئاً أو استثناءً عابراً، بل تحوّلت مع الوقت إلى جزء من الذاكرة الجماعية، وإلى تجربة صنعت وعينا وطريقتنا في النظر إلى الحياة.

لكن هذا لا يعني أبداً أننا اعتدنا الحرب أو تقبّلناها. لا أحد يعتاد صوت الغارات أو مشهد البيوت المدمّرة أو فكرة فقدان الأمان. ما حدث ببساطة هو أن شعوب هذه المنطقة، مع الوقت، طوّرت قدرة داخلية على التكيّف. نوع من المناعة النفسية التي تجعل الإنسان قادراً على الاستمرار حتى وسط الانهيار. ربما لأن البديل كان دائماً أصعب: الاستسلام الكامل.

في لبنان، تعلّم الناس كيف يعيشون رغم كل شيىء. كيف يذهبون إلى أعمالهم في الصباح بعد ليلة من القصف. كيف يفتحون المطاعم والمقاهي بعد الحرب مباشرة. كيف يحتفلون بالحياة حتى في أكثر اللحظات قسوة. هذا ليس إنكاراً للألم، بل محاولة دائمة للنجاة منه. اللبناني لا يرقص لأنه لا يحزن، بل لأنه يعرف أن الحزن وحده لا يكفي للاستمرار.

لماذا يصمد العرب بسرعة أكبر؟

خلال الأشهر الأخيرة، ومع تصاعد التوترات والحروب في المنطقة، كان هناك خوف حقيقي من فكرة انتقال مشهد الحرب إلى دول الخليج. بالنسبة لكثير من اللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين والسوريين، بدت الفكرة صادمة. ليس لأن الحرب جديدة علينا، بل لأننا كنا نظن أن هناك شعوب عربية لم تختبر هذا النوع من القلق اليومي من قبل. شعوب عاشت لعقود طويلة في استقرار نسبي، بعيداً عن أصوات الصواريخ والانهيارات المفاجئة.

لكن المفاجأة كانت أن هذه المجتمعات أيضاً أظهرت قدرة لافتة على التأقلم. الناس واصلت حياتها، ذهبت إلى أعمالها، وبدأت تبحث بسرعة عن طرق للحفاظ على الاستقرار النفسي والعائلي. هنا بدأ سؤال مهم يطرح نفسه: لماذا تبدو الشعوب العربية، في كثير من الأحيان، أكثر قدرة على استيعاب الأزمات من الغرب؟

في الغرب، أي أزمة كبيرة غالباً ما تتحول بسرعة إلى حالة شلل نفسي جماعي. الناس تنهار بسهولة أمام فكرة فقدان السيطرة، لأن المجتمعات الغربية بُنيت أساساً على مفهوم الاستقرار الدائم. الفرد هناك يعيش على فكرة أن النظام سيحميه دائماً، وأن الحياة يجب أن تبقى واضحة ومنظمة ويمكن التنبؤ بها. لذلك عندما تقع الكارثة، يشعر الإنسان الغربي أن العالم انهار بالكامل، لأن ثقافته لم تدرّبه على فكرة العيش داخل الفوضى.

أما نحن، فالحقيقة القاسية هي أن الفوضى كانت دائماً جزء من حياتنا. نحن أبناء منطقة لم تعرف الاستقرار الكامل يوماً. تربّينا على الأخبار العاجلة، وعلى تبدّل الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية بشكل دائم. ولذلك، حتى لو خفنا، وحتى لو انهَرنا للحظة، هناك جزء داخلنا يعرف تلقائياً كيف يعود للحركة من جديد.

كيف يعتاد العالم على المأساة؟

البشر يتأقلمون بسرعة مع "الواقع الجديد". في بداية كل كارثة، هناك صدمة جماعية، اهتمام إعلامي واسع، موجة تعاطف وغضب وتحركات سياسية وإنسانية. لكن بعد فترة قصيرة، يبدأ الفتور. يملّ العالم من الخوف، وتتراجع التغطية الإعلامية، ويبحث الناس عن قصة جديدة تشغلهم. هكذا تتحوّل المآسي تدريجياً إلى خلفية يومية مألوفة.

هذه ليست مشكلة تخص الشرق الأوسط وحده، بل طبيعة بشرية عامة. لكن في منطقتنا، تبدو المسألة أكثر قسوة. لأن العنف هنا لم يعد يُعامل كحدث استثنائي، بل كجزء متوقّع من المشهد. وكأن العالم اعتاد رؤية الشرق الأوسط يحترق. من فلسطين إلى العراق، ومن سوريا إلى لبنان، أصبحت صور الدمار والضحايا والنزوح تتكرر إلى درجة خطيرة. ما كان يهزّ ضمير العالم قبل سنوات، بات اليوم يمرّ سريعاً على الشاشات. وكأن الحروب العربية فقدت قدرتها على الصدمة، ليس لأنها أقل مأساوية، بل لأن العالم استهلكها عاطفياً وإعلامياً.

التعلّم من الماضي

الإنسان العربي يحمل ذاكرة جماعية ثقيلة جداً. ذاكرة مليئة بالحروب والهجرة والخسارات والانكسارات، لكنها أيضاً مليئة بالنجاة. ربما لهذا السبب، حين تقع الأزمة، لا يشعر العربي أنه يواجه شيئاً مستحيلاً أو غير مسبوق. هناك دائماً قصة سابقة تشبه ما يحدث الآن. دائماً هناك جدّ أو أب أو مدينة كاملة مرّت بشيء مشابه ونجت منه.

في لبنان مثلاً، هناك أجيال كاملة وُلدت بعد الحرب الأهلية لكنها تحمل آثارها النفسية حتى اليوم. ليس عبر الكتب فقط، بل عبر الحكايات اليومية. قصص الملاجئ، والانقطاع الطويل للكهرباء، والخوف، والنزوح، وإعادة البناء. هذه القصص تصنع نوعاً من الاستعداد الداخلي. كأن الإنسان العربي يكبر وهو يعرف، بطريقة غير مباشرة، أن الحياة قد تتتغيّر في أي لحظة، وأن عليه أن يكون مرناً بما يكفي ليستمر.

ربما لهذا السبب تبدو العلاقات الاجتماعية في مجتمعاتنا أكثر قوة أيضاً. في الأزمات، يعود الناس فوراً إلى العائلة والجيران والأصدقاء. هناك دائماً شخص يفتح بيته، أو يقدّم الطعام، أو يحاول المساعدة. في منطقتنا، النجاة غالباً ما تكون جماعية، لا فردية. بينما في كثير من المجتمعات الغربية، يعيش الإنسان داخل استقلالية كبيرة تجعله أكثر وحدة في لحظات الانهيار.

الإيمان… طريق النجاة التي لا يراها الغرب

لكن رغم كل هذه العوامل، يبقى هناك عنصر أساسي لا يمكن تجاهله: الإيمان. وربما هنا تحديداً تكمن أكبر نقطة اختلاف بيننا وبين الغرب.

الإنسان العربي، مهما اختلف دينه أو طائفته أو طريقة تفكيره، يحمل علاقة عميقة مع فكرة الله. في لحظات الخوف الكبرى، يعود الناس تلقائياً إلى الدعاء، إلى الصلاة، إلى فكرة الاتكال على قوة أكبر منهم. ليس لأنهم ضعفاء، بل لأن الإيمان يمنح الإنسان شعوراً بأن العالم ليس عبثياً بالكامل، وأن هناك معنى ما حتى وسط الفوضى.

في مجتمعاتنا، عبارة "لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" ليست مجرد جملة دينية، بل فلسفة حياة كاملة. فلسفة تخفف من ثقل الخوف، وتمنح الإنسان قدرة نفسية على التحمّل. حين يشعر الإنسان أن كل شيء خارج سيطرته، يصبح الإيمان مساحة الأمان الأخيرة. الغرب، في المقابل، يعيش أزمة روحية عميقة منذ سنوات طويلة. هناك اعتماد هائل على العلم والنظام والسيطرة، لكن حين تسقط هذه الأشياء فجأة، يجد الإنسان نفسه وحيداً أمام قلقه. لذلك ترتفع نسب الاكتئاب والانهيار النفسي بسرعة كبيرة في أوقات الأزمات. ليس لأن الغرب أضعف، بل لأن الإنسان هناك غالباً ما يواجه الخوف وحده، بلا ذلك السند الروحي الذي يمنح الطمأنينة.

نحن لا نحب الحرب… لكننا نعرف كيف نعيش بعدها

أحياناً يُساء فهم قدرة العرب على التأقلم. البعض يظن أننا شعوب اعتادت الحرب أو أصبحت غير حساسة تجاه الألم. لكن الحقيقية مختلفة تماماً. نحن نتألم، نخاف، وننهار مثل أي شعب آخر. الفرق الوحيد أننا تعلّمنا، رغماً عنا، أن الحياة لا تنتظر شفاءنا الكامل. لهذا نعود إلى العمل بسرعة. نضحك بسرعة. نفتح المحال والمطاعم بسرعة. ليس لأننا تجاوزنا المأساة، بل لأننا نعرف أن الاستمرار نفسه شكل من أشكال المقاومة. في هذه المنطقة، الحياة ليست أمراً مضموناً، ولذلك يتمسّك الناس بها بطريقة شرسة وعاطفية جداً.

ربما لهذا السبب تبدو مدن مثل بيروت قادرة دائماً على النهوض رغم كل شيء. المدينة التي تُقصف ثم تعود لتفتح مقاهيها، ليست مدينة بلا وجع، بل مدينة تعرف أن التوقّف الكامل يعني الموت.

عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.

الديزاين