لم أكن أتصوّر يوماً أن شيئاً بسيطاً مثل التنفّس يمكن أن يغيّر حياتي بهذه الطريقة. مررت بفترات صعبة على المستوى الشخصي والصحي، سنوات شعرت خلالها بأنني أبحث عن الحل في كل مكان إلا في داخلي. جرّبت الكثير من الأساليب، قرأت عن العلاجات الحديثة، تابعت نصائح الخبراء، وكنت دائماً أظن أن الشفاء يحتاج إلى شيء معقّد أو بعيد المنال. لكن الحقيقة التي اكتشفتها لاحقاً كانت مختلفة تماماً: جزء كبير من العلاج كان أقرب إليّ مما تخيّلت، وكان موجوداً معي منذ البداية.
لطالما قرأت عن تقنيات التنفّس، وكنت أعتبرها مجرد نصائح بسيطة لا يمكن أن تُحدث فرقاً حقيقياً. لم آخذها على محمل الجد، إلى أن قررت ذات يوم، بدافع الفضول أكثر من الإيمان بها، أن أجرّب إحدى هذه التقنيات. لم أتوقّع شيئاً استثنائياً، لكن ما حدث بعد أيام قليلية فقط كان أشبه بمفاجأة هادئة وعميقة في آنٍ واحد. شعرت براحة نفسية لم أعرفها منذ سنوات، تحسّن نومي بشكل واضح، وبدأ التوتر الذي كان يرافقني يومياً يخفّ تدريجياً. ومع الوقت، لم يكن التحسّن نفسياً فقط، بل انعكس أيضاً على صحتي الجسدية وطاقتي اليومية.
في هذا الزمن الصعب الذي نمرّ به، حيث الضغوط لا تتوقّف والأخبار الثقيلة لا تغيب، أصبحت تقنيات التنفّس بالنسبة إليّ ضرورة وليست رفاهية. والأجمل أنها لا تحتاج إلى وقت طويل أو أدوات خاصة، بل فقط إلى قرار صغير بأن نتوقّف لحظة ونستمع إلى أنفاسنا. ومن خلال التجربة، اكتشفت أن هناك تقنيات متعدددة، لكل منها تأثير مختلف، لكنها جميعاً تشترك في شيء واحد: إعادة التوازن إلى الجسد والعقل.
• أول تقنية بدأت بها كانت التنفّس العميق البطيء. تبدو بسيطة جداً، لكنها من أكثر التقنيات فعالية. الفكرة تقوم على أخذ نفس بطييء وعميق من الأنف، ثم الاحتفاظ به لبضع ثوانٍ، وبعدها إخراجه ببطء شديد من الفم. بعد دقائق قليلة فقط، يبدأ الجسم بالاسترخاء تلقائياً، ويتراجع الشعور بالقلق بشكل ملحوظ. هذه التقنية تساعد على تهدئة الجهاز العصبي وتخفيف التوتر، كما تمنح إحساساً فورياً بالراحة والهدوء الداخلي.
• ثم جرّبت تقنية التنفّس البطني، وهي من التقنيات الأساسية في اليوغا والتأمل. في هذه الطريقة لا يكون التركيز على الصدر، بل على البطن التي ترتفع وتنخفض مع كل نفس. مع الممارسة اليومية، لاحظت أن تنفّسي أصبح أعمق وأكثر هدوءاً، وأن جسدي يتخلّص تدريجياً من التشنّج الذي كنت أشعر به دائماً. هذه التقنية تحديداً ساعدتني على تحسين النوم والشعور بطاقة أكثر استقراراً طوال اليوم.
• ومن التقنيات التي كان لها تأثير قوي أيضاً تقنية التنفّس المتوازن، حيث يتم أخذ النفس لعدد معين من الثواني، ثم إخراجه للعدد نفسه. هذا الإيقاع البسيط يعيد التوازن بين العقل والجسد، ويخفّف من التفكير المفرط الذي يرهقنا يومياً. ومع الوقت، يصبح الذهن أكثر هدوءاً، وتصبح القدرة على التركيز أفضل بكثير.
• كما اكتشفت تقنية التنفّس التي تعتمد على التناوب بين فتحتي الأنف، وهي من أكثر تقنيات اليوغا شهرة. في البداية بدت لي غريبة، لكنني سرعان ما شعرت بمدى تأثيرها على الصفاء الذهني. بعد دقائق من ممارستها، يصبح العقل أكثر وضوحاً، ويختفي ذلك الضجيج الداخلي الذي يرافقنا في الأوقات الصعبة. هذه التقنية تساعد أيضاً على تخفيف القلق وتحسين التوازن النفسي بشكل عام.
• أما تقنية التنفّس مع التأمل، فكانت بالنسبة إليّ تجربة مختلفة تماماً. الفكرة هنا لا تقتصر على التنفّس ببطء، بل على ملاحظة كل نفس والانتباه له من دون محاولة تغيييره. في البداية كان الأمر صعباً، لأن العقل يرفض الهدوء بسهولة، لكن مع الاستمرار أصبحت هذه اللحظات القصيرة من الصمت مساحة أستعيد فيها نفسي من جديد. هذه التقنية تساعد على تخفيف الضغط النفسي وتحسين المزاج، كما تعزّز الإحساس بالسلام الداخلي بطريقة يصعب وصفها بالكلمات.
فوائد نفسية وجسدية
ما اكتشفته أيضاً هو أن تقنيات التنفّس لا تغيّر فقط حالتنا النفسية، بل تؤثّر بشكل مباشر على صحة الجسد. فالتنفّس العميق يساعد على تحسين الدورة الدموية، ويزيد من كمية الأوكسجين التي تصل إلى الجسم، ويمنح إحساساً بالطاقة والنشاط. كما أن الممارسة المنتظمة تساعد على تخفيف الصداع الناتج عن التوتر، وتحسين جودة النوم، والتقليل من الشعور بالإرهاق المستمر.
ومع مرور الوقت، أدركت أن التنفّس ليس مجرد عملية بيولوجية نقوم بها من دون تفكير، بل أداة حقيقية يمكن أن تغيّر علاقتنا بأنفسنا وبالعالم من حولنا. كل تقنية من هذه التقنيات تمنح شعوراً مختلفاً، لكنها جميعاً تشترك في شيء واحد: إعادة الهدوء إلى الداخل، خصوصاً في زمن أصبح فيه القلق جزءاً من يومنا العادي.
ومن خلال هذه التجربة، أصبحت أنصح الجميع بأن يجرّبوا واحدة على الأقل من هذه التقنيات. لا تحتاج إلى خبرة، ولا إلى وقت طويل، بل فقط إلى دقائق قليلة يومياً يمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً على المدى الطويل. أحياناً لا نحتاج إلى حلول معقّدة، بل إلى أن نتوقّف لحظة ونمنح أنفسنا فرصة لنلتقط أنفاسنا من جديد
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.