في زمنٍ وُلد فيه أطفالنا بين الشاشات، وصار اللوح الذكي والهاتف جزءاً من يومهم الطبيعي، تبدو العودة إلى الطبيعة فعل حبّ بسيط لكنه عميق الأثر. العيد ليس فقط مناسبة للزيارات والهدايا، بل فرصة لخلق ذكريات حيّة تُحفر في الذاكرة، بعيداً عن صخب المراكز التجارية وضجيج العروض. أن نخرج إلى الهواء الطلق، أن نلمس التراب، أن نراقب فراشة تتراقص فوق زهرة برية أو نعدّ النجوم في السماء، هو درس في التأمل والامتنان لا يمكن لأي شاشة أن تمنحه. في الإمارات، تتنوّع الوجهات الطبيعية التي تتيح للعائلات قضاء يوم مختلف، حيث يتعلم الأطفال معنى الاكتشاف، ويتشارك الأهل لحظات بسيطة تعيد التوازن للحياة. إليكم خمس أفكار للاحتفال بالعيد في أحضان الطبيعة.
حديقة الفراشات أبوظبي
تقع حديقة الفراشات في أبوظبي ضمن مساحة مخصصة تحاكي البيئة الاستوائية، حيث تنتشر القباب الزجاجية التي تحتضن آلاف الفراشات من أنواع متعددة. ما إن يدخل الزائر حتى يشعر بأنه انتقل إلى عالمٍ آخر؛ رطوبة خفيفة، نباتات كثيفة، وألوان تتحرك بهدوء في الهواء.
جاذبية المكان لا تكمن فقط في جمال المشهد، بل في التجربة التعليمية التي يقدمها للأطفال. يمكن للصغار أن يتعرفوا إلى دورة حياة الفراشة، من البيضة إلى اليرقة فالشرنقة، وصولاً إلى التحليق الحرّ. هذه التفاصيل الصغيرة تفتح باب الأسئلة، وتمنحهم فرصة لفهم الطبيعة عن قرب، لا عبر كتاب مدرسي أو فيديو قصير.
بالنسبة للأهل، تشكّل الحديقة مساحة هادئة وآمنة للمشي والتقاط الصور، بينما يركض الأطفال بين النباتات مبهورين بالألوان. العيد هنا يصبح احتفالاً بالحياة ذاتها، حيث يكتشف الصغار معنى التحوّل، ويتعلمون أن الجمال قد يولد من أبسط المراحل.
جبل جيس
يقع جبل جيس في إمارة رأس الخيمة، ويُعدّ أعلى قمة في دولة الإمارات. الطريق المتعرج المؤدي إليه بحد ذاته مغامرة، إذ يكشف عن مشاهد جبلية خلابة ووديان صخرية تمتد على مدّ النظر.
ما يجعل جبل جيس وجهة مثالية للعيد هو تنوّع الأنشطة التي تناسب العائلة. يمكن التخطيط لنزهة بسيطة عند إحدى المنصات المطلة، حيث يتشارك الجميع وجبة إفطار صباحية وسط الهواء النقي. للأطفال مساحة واسعة للركض بأمان، بعيداً عن الطرقات المزدحمة، مع فرصة لاكتشاف الصخور والنباتات الجبلية.
أما لمحبي الحركة، فالمشي في المسارات المخصصة يمنح تجربة تفاعلية تعلّم الصغار معنى التحدي والصبر. الجبل يقدّم درساً عملياً عن قوة الطبيعة وثباتها، ويمنح العائلة لحظات صمت نادرة، لا يقطعها سوى صوت الريح. في العيد، قد تكون أجمل هدية هي مشهد الغروب من أعلى نقطة، حيث تختلط ألوان السماء بصفاء داخلي يصعب وصفه.
غابة الهير
تقع غابة الهير في منطقة العين التابعة لإمارة أبوظبي، وهي مساحة خضراء وسط المشهد الصحراوي، تشكّل مفاجأة طبيعية حقيقية. الأشجار الكثيفة الممتدة على مساحات واسعة توفّر ظلالاً باردة، وتخلق بيئة مثالية للنزهات العائلية.
تكمن جاذبية الغابة في بساطتها. لا ألعاب إلكترونية ولا مراكز ترفيهية، بل مساحة مفتوحة تتيح للأطفال أن يبتكروا ألعابهم الخاصة. يمكنهم الجري بين الأشجار، جمع الأوراق، أو مراقبة الطيور الصغيرة. هذه الأنشطة البسيطة تعزّز الخيال وتشجّع على الحركة، وهو ما نفتقده في الحياة اليومية.
بالنسبة للأهل، توفّر الغابة مكاناً مثالياً لفرش بساط والجلوس مع العائلة في أجواء هادئة. العيد هنا يأخذ طابعاً قروياً دافئاً، حيث تتداخل رائحة التراب مع ضحكات الأطفال. إنها فرصة لإعادة تعريف المتعة، بعيداً عن الاستهلاك، وقريباً من الطبيعة التي تمنحنا الكثير دون مقابل.
جزيرة سنوبي
تقع جزيرة سنوبي قبالة ساحل الفجيرة، وسُمّيت بهذا الاسم لأن شكلها يشبه شخصية سنوبي الشهيرة عند النظر إليها من الشاطئ. المياه الصافية التي تحيط بها تجعلها واحدة من أجمل الوجهات البحرية في الدولة.
العائلات التي تبحث عن عيد مختلف يمكنها قضاء يوم كامل على الشاطئ، حيث يمكن للأطفال السباحة في المياه الهادئة تحت إشراف الأهل، أو تجربة الغطس السطحي لمشاهدة الأسماك الملوّنة والشعاب المرجانية. هذه التجربة البحرية تمنح الصغار فهماً عملياً للنظام البيئي البحري، وتزرع فيهم حسّ المسؤولية تجاه البيئة.
الأهل بدورهم يستمتعون بالاسترخاء على الرمال أو بالمشاركة في الأنشطة المائية. البحر بطبيعته يعيد التوازن، وصوت الأمواج يخلق إيقاعاً هادئاً يخفف من ضغط الحياة اليومية. في العيد، تتحول الجزيرة إلى مساحة للفرح البسيط، حيث تتشارك العائلة لحظات ضحك تحت الشمس، بعيداً عن الجدران المغلقة.
منتزه قرم جزيرة الجُبيل
يقع منتزه قرم جزيرة الجُبيل في أبوظبي، ويُعدّ من أبرز الوجهات البيئية التي تتيح للزوار السير فوق ممرات خشبية تمتد بين أشجار القرم. المشهد هنا مختلف؛ مياه ضحلة، جذور متشابكة، وهدوء يمنح الزائر شعوراً بالانفصال عن صخب المدينة.
ما يميّز المنتزه هو طابعه التعليمي والبيئي. يمكن للأطفال التعرف إلى أهمية أشجار القرم في حماية السواحل ودعم التنوع البيولوجي. المشي فوق الجسور الخشبية يخلق إحساساً بالمغامرة الآمنة، ويشجّع الصغار على مراقبة الطيور والكائنات البحرية الصغيرة.
كما يمكن للعائلات تجربة التجديف بقوارب الكاياك بين الأشجار، وهي تجربة تعزّز روح التعاون بين أفراد الأسرة. العيد في هذا المكان يصبح احتفالاً بالهدوء والتأمل، حيث نتعلّم مع أطفالنا أن الطبيعة ليست مجرد خلفية جميلة، بل كائن حيّ يستحق أن نقترب منه ونحميه.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.