جوناثان أندرسون يفكك مفهوم الأناقة الرجالية ويعيد ابتكارها بلمسات أكثر ليونة | Gheir

جوناثان أندرسون يفكك مفهوم الأناقة الرجالية ويعيد ابتكارها بلمسات أكثر ليونة

موضة  Jan 22, 2026     
×

جوناثان أندرسون يفكك مفهوم الأناقة الرجالية ويعيد ابتكارها بلمسات أكثر ليونة

كمحرّرة تعيش الموضة كحوار يومي مع التاريخ والهوية، شعرت وأنا أتابع عرض ديور للرجال لخريف وشتاء 2026 – 2027 بأنني لا أشاهد مجموعة أزياء بقدر ما أشارك في لحظة فكرية نادرة. مجموعة جوناثان أندرسون ليست مجرد استعراض مهارة، بل مواجهة مباشرة بين زمنين من الراديكالية الباريسية: تحرر بول بواريه في مطلع القرن العشرين، وانضباط كريستيان ديور الذي شكّل هوية الدار لاحقاً.

انطلقت فكرة أندرسون من اكتشاف بسيط لكنه بالغ الدلالة: لوحة تذكارية لبول بواريه خارج مقر ديور. هذا التفصيل قاده إلى اقتناء فستان غير مستعمل يعود إلى عام 1922، ليصبح نقطة ارتكاز لسؤال محوري: ماذا يحدث عندما تلتقي روح بواريه غير المقيدة بالكورسيه مع الصرامة التقنية لمشغل ديور؟ الإجابة جاءت على هيئة عرض يرفض مفهوم "الطبيعي"، ويقدّم مجموعمة من الشخصيات التي تتحرك بين الرومانسية التاريخية والطاقة الخام لموسيقي معاصر مثل Mk.gee . هنا، الأرشيف لا يُستحضر كمرجع، بل يُخترق ويُعاد تشكيله.

تتنقل السردية عبر لحظات انتقالية في تاريخ الخياطة، تلك الفترات التي انهارت فيها القوالب التقليدية لتفسح المجال أمام أشكال جديدة. أندرسون يتخيل حواراً بين نزعة بواريه التنكرية وحاجة الرجل المعاصر إلى التعبير عن شخصيته. الإكسسوارات لعبت دور إشارات اجتماعية واضحة، خصوصاً الياقات المكشكشة التي رافقت الدعوات. بأسلوبها المائل والمتعمّد، انتقلت هذه القطع من رمز أرستقراطي إلى بيان فوضوي، يؤكد أن الموضة، في جوهرها، انعكاس للذات. معطف الذيل يتحول إلى كنزة محبوكة، والسترة البسيطة تتممدد لتصبح فستاناً طويلاً، من دون أن تفقد المجموعة تماسكها.

تقنياً، كشفت المجموعة عن مفهوم "اللليونة البنيوية". الإطلالات الأولى عرضت الجزء العلوي من فستان بواريه الأصلي، أعيد العمل عليه بحرفية ديور، وتم تنسيقه مع دنيم مغسول ومهترئ، في تباين متعمد بين العالي واليومي. القصّات لعبت على النسب الصادمة: سترات مزدوجة الصدر بأكتاف عريضة لكنها قصيرة جداً، وأخرى سوداء مستوحاة من الستينات كُشفت معها عظمة الحوض. الأقشمة بدورها حملت التاريخ، من جاكار بنقشة الفراشات منسوج لدى موردي بواريه الأصليين، إلى معاطف باركا بلمسات عباءة من أقمشة أرشيفية. حتى القطع الوظيفية، كالبافر القصير، نُحتت كأشكال معمارية تحتضن الجسد.

نقدياً، قدّم أندرسون واحدة من أكثر مجموعات الأزياء الرجالية عمقاً في السنوات الأخيرة. عبر كسر المألوف في الحجم والتجاور، تجنّب فخ التكرار الذي يهدد الدور العريقة. استلهام "التراخي" لدى بواريه أتاح لديور استكشاف ذكورة أكثر نعومة وإيماءً، تتماشى مع روح العصر. كما أن طمس الحدود الجندرية كان مقنعاً، لدرجة تجعل كثيراً من القطع مغرية لزبونة ديور بقدر ما هي للرجل. وبينما وفّر الشعر المستعار والياقات التاريخية لحظة عرض مسرحية، بقيت القطع الفردية – من الأحذية الكوبية بنقشة الزواحف إلى المعاطف المتقنة – منتجات فاخرة قائمة بذاتها.

في المحصلة، أثبت جوناثان أندرسون أن مستقبل ديور للرجال يكمن في جمع التجارب لا في تكديس الشعارات. هذه مجموعة تمارس "قوة ناعمة" بذكاء، وتؤكد أن الموضة يمكن أن تكون ممتعة، خطرة، ومشبعة بالتاريخ في آن واحد. بين راديكالية 1903 ومتطلبات 2026، صاغ أندرسون لغة جديدة تضمن بقاء ديور في قلب المشهد الباريسي، في جماله الأكثر جرأة وبعده عن أي شكل من أشكال الاعتياد.

عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.

الموضة