في هذا العام، بينما تتقاطع أخبار التوترات الإقليمية مع حياتنا اليومية، لا يمكن لعيد الأم أن يكون مجرد مناسبة للاحتفال التقليدي بالورود والشوكولاتة. الأمر أكبر من ذلك، وأكثر عمقاً. الأم، بكل ما تحمل من صبر، قوة، وحنان، تستحق هذا العام هدايا تتتجاوز المادة، هدايا تعكس حضورنا النفسي واهتمامنا الحقيقي بها في زمن تتشابك فيه الأزمات والاضطرابات مع حياتنا.
يوم بلا مسؤوليات
الفكرة الأولى التي أحببت أن أشاركها مع القارئات هي يوم كامل بلا مسؤوليات. يوم يتولى فيه الأبناء الأعمال اليومية، من ترتيب المنزل إلى العناية بالأطفال، تاركين للأم فرصة للتنفس والتوقف عن حمل كل الأعباء على عاتقها. تجربة صغيرة كهذه قد لا تكلف شيئاً، لكنها تمنحها شعوراً بالحرية والراحة، خصوصاً في أوقات يعجّ فيها العالم بالضجيج والقلق. يمكننا إضافة لمسة من الدلال، مثل جلسة تدليك منزلية أو قهوة مشبوبة على صوت موسيقى هادئة، لتحويل هذا اليوم إلى واحة قصيرة من السكينة، بعيدة عن صخب الأخبار وتقلبات الحياة اليومية.
عبّري لها في خطاب مكتوب
أحياناً، أفضل الهدايا هي الكلمات نفسها. في زمن التطنولوجيا والرسائل الإلكترونية، يمكنك أن تعودي سنوات إلى الوراء، إلى يوم كانت الرسائل الورقية أفضل طريقة للتواصل، وأن تكتبي لها خطاب بخط اليد يعبر عن امتنانك وشجاعتك وتقديرك لها في زمن لم يعد فيه الاستقرار بديهياً، يمكن أن يكون أكثر تأثيراً من أي هدية مادية. نحن نعيش أياماً يطغى عليها الإحساس بعدم اليقين، وكلمات صادقة تحمل رسائل حب وتقدير تجعل الأم تشعر بأنها لم تُنسَ، وأن جهودها ومثابرتها مرصودة ومحفوظة في قلوبنا.
تبرعي .. باسمها
هذا العام، أفكر أيضاً في الهدايا التي تمتد إلى ما هو أبعد من أسوار منزلنا. التبرع لصالح مؤسسة إنسانية باسم الأم أو المشاركة في حملة لدعم الأسر المتضررة في منطقتنا، هما طريقة لتقديم الشكر بطريقة ملموسة، وربط محبتنا للأم بما هو إنساني، في وقت يشعر فيه الكثيرون بالحاجة إلى الدعم والرعاية. هذه الهدايا تعكس أن حبنا لا يتوقف عند حدود العائلة، بل يمتد إلى المجتمع والأشخاص الذين يواجهون صعوبات حقيقية.
نشاط فني أو اجتماعي خاص
أما الهدايا المشتركة، فهي دائماً مميزة. جلسة فنية للرسم أو الطبخ معاً يمكن أن تصبح تجربة حية تتجاوز الأشياء المادية، تمنح الأم شعوراً بأننا نتشارك معها لحظة من الإبداع والمتعة. في هذه اللحظات، لا تكون الهدية مجرد شيء يُقدم، بل ذكرى يُصنع ويُحفظ في الذاكرة، تضيء قلبها وتشعرها بأننا موجودون حقاً إلى جانبها.
ما أحبه في هذه الأفكار هو أنها تعكس أمنيتي الشخصية: أن يكون عيد الأم هذا العام مناسبة للتقدير الصادق، والاهتمام العميق، والسلام الداخلي. في أوقات القلق، قد تبدو كل الأشياء المادية صغيرة مقارنة بما يمكن أن تقدمه لحظة صافية من الاهتمام، كلمة حقيقية من القلب، أو تجربة تمنح شعوراً بالانتماء والدعم. الأهم أن نسمح لأنفسنا بالتفكير خارج الصندوق، والتعبير عن مشاعرنا بطريقة صادقة، حتى لو كان العالم من حولنا مضطرباً.
كل هذه الهدايا، من يوم بلا مسؤوليات إلى مشاركة فنية أو تبرع إنساني، تحمل رسالة واحدة: أن الأم تستحق أن نراها، نسمعها، ونقدرها بكل لحظة. في زمن تصبح فيه الأخبار الثقيلة جزءاً من حياتنا اليومية، يصبح دورنا أن نجعل الاحتفال بالحب الحقيقي، بالسلام والامتنان، أولوية. بعيداً عن الزهور، بعيداً عن الشوكولاتة، هناك مكان للهدايا التي تترك أثراً حقيقياً في قلب الأم، وتخبرها بأن جهودها وحضورها له قيمة لا تُقاس.
في نهاية المطاف، عيد الأم هذا العام ليس مجرد مناسبة، بل فرصة لإعادة اكتشاف معنى الامتنان والاهتمام في أوقات عدم اليقين. أن نقدم للأمهات لحظات من الهدوء، كلمات صادقة، ومساهمات حقيقية في المجتمع، هو أجمل ما يمكن أن نقدمه لهن.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.