في أوقاتٍ تبدو فيها الحياة أثقل من قدرتنا على الاحتمال، يصبح الاستمرار فعلاً واعياً، لا مجرد عادة. نحن لا نواصل لأن الطريق سهل، بل لأن التوقف يعني خسارة ما تبقى من المعنى. في منطقتنا العربية، حيث تتراكم الأزمات وتتشابك التفاصيل اليومية مع القلق، قد يبدو الاحتفال ترفاً غير مبرر، أو حتى فعلًا غير ملائم. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. الاستمرار هو شكل من أشكال المقاومة الهادئة، والاحتفال هو إعلان داخلي بأننا ما زلنا هنا، ما زلنا نشعر، وما زلنا قادرين على رؤية الضوء ولو كان خافتًا.
الحياة لا تُقاس فقط بلحظات القوة، بل أيضاً بقدرتنا على النهوض في اللحظات الهشة. أن نستيقظ، أن ننجز ما علينا، أن نبتسم رغم كل شيء… هذه ليست تفاصيل عابرة، بل هي جوهر الصمود. الاستمرار لا يعني تجاهل الألم، بل يعني أن نحمله بطريقة لا تكسرنا. أن نسمح لأنفسنا بالعيش، لا فقط بالبقاء. وهذا الاختيار، في حد ذاته، هو انتصار صغير يتكرر كل يوم، حتى لو لم يره أحد.
وربما الأهم، أن الاستمرار يمنحنا فرصة لإعادة تعريف أنفسنا. نحن لسنا ضحايا ظروفنا فقط، بل أيضاً صانعو ردود أفعالنا تجاهها. يمكن للحياة أن تضيق، لكن داخل هذا الضيق تتسع مساحات جديدة للفهم والنضج والوعي. في كل مرة نقرر فيها أن نكمل، نحن لا نؤجل الألم، بل نحوله إلى طاقة خفية تدفعنا إلى الأمام. وهذا ما يجعل الاستمرار فعلاً إنسانياً عميقاً، لا مجرد بقاء غريزي.
الأعياد كمساحة للشفاء: الاحتفال رغم كل شيء
حين يأتي عيد الفطر أو عيد الأم في ظل ظروف صعبة، قد نشعر بتناقض داخلي: كيف نحتفل وهناك من يتألم؟ كيف نفرح ونحن نعيش القلق؟ هذا السؤال مشروع، بل إنساني جداً. لكن ربما يكمن الجواب في إعادة تعريف معنى الاحتفال نفسه. الأعياد ليست فقط ضجيجاً وشراءً وزينة، بل هي لحظة إنسانية صادقة نعيد فيها الاتصال بما يهم فعلاً: العائلة، الحنان، الذكريات، والامتنان.
الاحتفال، في جوهره، ليس إنكاراً للواقع، بل طريقة للتعامل معه. هو مساحة صغيرة نمنحها لأنفسنا لنلتقط أنفاسنا وسط الضجيج، لنهدأ قليلاً، ولنستعيد توازننا الداخلي. أن نجتمع حول مائدة بسيطة، أن نتبادل كلمات دافئة، أن نحتضن من نحب… هذه أفعال قد تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة تحمل طاقة شفاء عميقة. في زمن القسوة، تصبح هذه التفاصيل أكثر قيمة، لأنها تذكرنا بأن الإنسانية لم تختف، وأن الروابط بيننا أقوى من أي ظرف.
الأعياد أيضاً تذكّرنا بالاستمرارية. مهما تغيّرت الظروف، تبقى هذه المحطات الزمنية شاهدة على أننا نعبر، وأن الحياة، رغم كل شيء، لا تتوقف. وربما هنا تكمن فلسفة الاحتفال: أن نخلق لحظة نور داخل العتمة، لا لنلغيها، بل لنوازنها. أن نقول لأنفسنا إن الفرح ليس ترفاً، بل ضرورة نفسية وروحية. هو شكل من أشكال العناية بالذات، ومن أشكال حماية القلب من القسوة الزائدة.
قد لا تكون الأعياد كما اعتدناها، وقد نفتقد أشخاصاً أو أماكن أو شعوراً بالأمان، لكن هذا لا يعني أن نتخلى عنها بالكامل. على العكس، في أصعب اللحظات، نحتاج إلى هذه الطقوس أكثر من أي وقت مضى. هي التي تعيد ترتيب الداخل، وتمنحنا إحساساً بأننا ما زلنا قادرين على الشعور بالجمال، ولو في أبسط صوره.
الهدايا بمعناها الحقيقي: قيمة تتجاوز المادة
في ظل كل ما نعيشه، يصبح من الضروري أن نعيد النظر في مفهوم الهدايا. لسنا بحاجة إلى استهلاك مفرط أو مظاهر مبالغ فيها لنثبت حبنا. على العكس، أبسط الهدايا قد تكون الأكثر صدقاً وتأثيراً. رسالة مكتوبة بخط اليد، وقت نقضيه مع شخص نحبه، مكالمة طويلة، كلمة تقدير صادقة… هذه الأشياء الصغيرة تحمل وزناً معنوياً لا يُقدّر، لأنها تلامس القلب مباشرة.
الهدايا الحقيقية ليست في سعرها، بل في نيتها. هي تعبير عن الاهتمام، عن الحضور، عن الرغبة في أن نقول للآخر: "أنا أراك، وأقدّرك، وأهتم بك." وفي أعياد مثل عيد الأم، تحديداً، ربما يكون أعظم ما يمكن أن نقدّمه هو الامتنان الصادق، والوقت، والإصغاء. لأن ما تحتاجه القلوب ليس المزيد من الأشياء، بل المزيد من الشعور.
ومن زاوية أعمق، الهدية هي فعل اعتراف بالآخر. نحن حين نهدي، نحن نؤكد وجود هذا الشخص في حياتنا، ونمنحه لحظة من الضوء. وفي أزمنة صعبة، تصبح هذه اللحظات أثمن بكثير، لأنها تخلق توازناً عاطفياً نحتاجه بشدة. هي ليست مجرد لفتة، بل جسر صغير يعيد ربطنا ببعضنا البعض.
في النهاية، ما نعيشه اليوم لن يدوم، مهما طال. التاريخ مليء بلحظات صعبة تجاوزها الإنسان، وخرج منها أكثر وعياً وقوة. نحن أيضاً سنعبر. لكن كيف نعبر؟ هذا هو السؤال الحقيقي. هل نستسلم للثقل، أم نختار أن نحمل معنا شعلة صغيرة من الأمل؟
أنا أؤمن أن الأمل ليس شعوراً عابراً، بل قرار. قرار بأن نرى ما هو ممكن، لا فقط ما هو مؤلم. قرار بأن نحتفل بالحياة، حتى وهي غير مكتملة. لأن الحياة، في جوهرها، ليست مثالية… لكنها تستحق أن نعيشها بكل ما فيها، وأن نمنحها، رغم كل شيء، فرصة جديدة كل يوم.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.