منذ طفولتي، لم تكن علاقتي بلبنان عادية. لم تكن مجرد انتماء إلى وطن، بل كانت علاقة تشبه الحبّ حتى الثمالة، حبّ يتشكّل وسط الخوف، وينضج على وقع الانفجارات. عشتُ الحرب صغيرة، ثم عشتُ حروباً أخرى، سنة بعد سنة، عاما بعد عام، وكأن الزمن في هذا البلد لا يُقاس بالأعوام، بل بجولات الألم والرجاء. أتذكر جيداً تلك اللحظات التي كانت القذائف تتساقط فيها من حولنا، كيف كنت أغمض عيني وأصلّي في صمت، أطلب من الله قدرة خارقة: أن أنتشل لبنان من جغرافيته، أن أحمله بين ذراعيّ وأخبئه في صدري، بعيداً عن كل أذى. كنت أتخيّل نفسي بطلة من أبطال الرسوم المتحركة، سوبرمان أو غراندايزر، أصرخ في وجه الأعداء، أضرب الأرض تحت أقدامهم، وأهرب بلبنان إلى مكان لا تصل إليه الحروب، ولا يعرف معنى الخوف.
ثم انتهت الحرب. فجأة. كأنها معجزة، أو حلم طويل قرر أن يستيقظ أخيراً. لم نفهم يوماً لماذا بدأت، ولا لماذا استمرت أكثر من خمسة عشر عاماً، لكننا عرفنا أننا خرجنا منها مختلفين. كنا بحاجة إلى إعادة تأهيل، لا بمعناه الطبي، بل بمعناه الإنساني. أن نتعلّم كيف ننام من دون صوت رصاص، كيف نعيش يوماً كاملاً من دون قلق، كيف نخرج من المنزل من الصباح حتى المساء من دون أن نفكر: هل سنعود؟ هل "تولع" معركة جديدة فنعلق بعيداً عن بيوتنا؟
تعلّمنا أيضاً أن نكتشف بعضنا من جديد. أن نعبر الطرقات من شمال لبنان إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، من دون خوف من "حواجز الموت على الهوية". أن نلتقي بالآخر الذي خُوّفنا منه طويلًا، لنكتشف أنه يشبهنا أكثر مما كنا نظن. احتجنا سنوات لنعتاد هذه الحياة الجديدة، لنفهم أن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل تمرين يومي على الثقة، وعلى قبول الآخر، وعلى إعادة بناء ما كُسر في الداخل قبل الخارج.
لكن لبنان، كما عرفته، لا يمنحك رفاهية الاستقرار الطويل. عادت الحروب، وإن تغيّر شكلها. لم تكن هذه المرة حرباً أهلية، بل مواجهة مع عدو واضح، عدو نملك كل الحق في أن نسميه كذلك. عايشتُ محطات كثيرة: من "عناقيد الغضب" ومجزرة قانا، إلى حرب تموز 2006، وصولًا إلى حرب 2026، التي بدت وكأنها تختصر كل ما سبقها من عنف وقسوة. لن أتحدث عن السياسة، ولا عن الاستراتيجيات، بل عن التجربة الإنسانية التي تركتها في داخلي، عن الدروس التي لا تُدرّس، بل تُعاش.
اليوم وأنا في عقدي الرابع، عشتُ الحرب بجسد امرأة ناضجة وقلب طفلة. في هذه الحرب، علّمني لبنان أن الوطن ليس فكرة، بل إحساس لا يمكن اقتلاعه. أن الوطن قد يكون أغلى من الحياة نفسها، لأن الحياة من دونه تفقد معناها. علّمني أن الخوف لا يُلغى، لكنه يُروّض، وأن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل القدرة على الاستمرار رغم حضوره. علّمني أن أقوى سلاح لا نحمله في أيدينا، بل في داخلنا: في إصرارنا على التحدي، في رفضنا للانصياع، في قدرتنا على قول "لا" حين يُطلب منا الاستسلام.
علّمني لبنان أيضاً أن العبرة ليست في عدم السقوط، بل في النهوض بعد كل كبوة. أن العدالة ليست دائماً فورية، لكنها حتماً موجودة في عمق الأشياء. أن الحياة لا تُكتب للأقوى بالمعنى القاسي للكلمة، بل لمن يحافظ على إنسانيته وسط كل هذا الخراب. أن الحق، حتى لو بدا ضعيفاً، يحمل في داخله قوة لا تُقهر. وأن الأمل، مهما بدا هشاً، هو فعل مقاومة بحد ذاته. الإيمان كذلك، ليس مجرد فكرة، بل طاقة تدفعنا لنقف من جديد، كل مرة نظن فيها أننا لم نعد قادرين على الوقوف.
في لبنان، تعلّمت أن اليسر يأتي مع العسر، ليس كشعار، بل كتجربة ملموسة. أن كل ضيق يحمل في داخله فسحة صغيرة للنور، وأن هذه الفسحة تكفي أحياناً لنبدأ من جديد. تعلّمت أن وحدتنا ليست خياراً، بل ضرورة، وأن تفرّقنا هو الخطر الحقيقي. أن حبنا لوطننا ليس مجرد عاطفة، بل كرامة، وهوية، وسبب للاستمرار.
وعلّمني لبنان أن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل ذاكرة حيّة، وجذور تمتد في أعماقنا. أن كل حجر فيها يحمل قصة، وكل شارع يحمل أثر من مرّوا فيه، وكل بيت هو حكاية صمود. أرضنا ليست ملكاً لنا فقط، بل نحن ننتمي إليها بقدر ما تنتمي إلينا.
لبنان لم يعلّمني كيف أعيش فقط، بل كيف أتمسّك بالحياة حين تصبح صعبة، كيف أحب رغم كل شيء، وكيف أؤمن بأن هذا الوطن، مهما تعب، لا يزال قادراً على النهوض.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.