جامعو الساعات الجُدد… سردية تتشكّل خارج القواعد | Gheir

جامعو الساعات الجُدد… سردية تتشكّل خارج القواعد

مجوهرات  Jun 11, 2026     

جامعو الساعات الجُدد… سردية تتشكّل خارج القواعد

لم يعد ممكناً الحديث عن عالم الساعات بالطريقة نفسها التي اعتدناها. فالصورة الكلاسيكية التي ربطت هذا المجال لسنوات طويلة بالخبرة التقنية البحتة وبمجتمع ضيّق من العارفين، تتفكّك اليوم بهدوء، لتحلّ مكانها مقاربة أكثر انفتاحاً وتعقيداً في آنٍ معاً. ما يحدث لا يقتصر على تبدّل في الأذواق، بل يعكس تحوّلاً أعمق في معنى الاقتناء نفسه، وفي الطريقة التي تُبنى بها العلاقة بين القطعة وصاحبها.

الجيل الجديد لا يدخل هذا العالم من باب المعرفة المتراكمة، ولا يشعر بالحاجة إلى المرور بكل المراحل التقليدية لفهمه. على العكس، يبدو أن نقطة الانطلاق أصبحت أقرب إلى الإحساس الفوري: انجذاب بصري، أو رابط شخصي، أو حتى لحظة عابرة على شاشة الهاتف تتحوّل إلى قرار. من هنا، تبدأ إعادة صياغة كاملة للمشهد.

الخوارزمية كوسيط ثقافي

لفترة طويلة، كانت قيمة الساعة تُختصر في ما تحمله داخلها: حركة ميكانيكية معقّدة، تاريخ طويل من الابتكار، وحِرفية دقيقية تتوارثها الأجيال. لكن هذا المنظور، على أهميته، لم يعد كافياً لشرح جاذبية الساعة اليوم. فالقيمة بدأت تنتقل تدريجياً إلى مستوى آخر، أكثر ارتباطاً بالحضور الخارجي للقطعة، أي بكيفية ظهورها في الحياة اليومية، وليس فقط بكيفية صنعها.

لم تعد الساعة كياناً مستقلاً يُقيّم بمعزل عن سياقه، بل أصبحت جزءاً من مشهد بصري أوسع، يتداخل فيه التنسيق، والتصوير، والسرد الشخصي. وبذلك، لم تعد الحِرفية غائبة، لكنها لم تعد وحدها في الواجهة، بل تشاركها عناصر أخرى توازيها في التأثير، مثل القابلية للتنسيق والقدرة على التعبير.

في هذا التحوّل، تلعب المنصات الرقمية دوراً محورياً يتجاوز فكرة العرض أو الترويج. فخوارزميات التطبيقات، وخصوصاً تلك التي تعتمد على الفيديو القصير، أصبحت تساهم في تشكيل الذوق العام، لا من خلال فرضه، بل عبر إعادة ترتيب ما يُرى وما يُعاد تداوله.

هذا يعني أن الساعة لم تعد تكتسب حضورها فقط عبر مكانتها التاريخية أو قيمتها السوقية، بل أيضاً عبر قدرتها على الاندماج في سرد بصري سريع وجذّاب. لقطة معصم في ضوء طبيعي، حركة عفوية، أو تنسيق غير متوقّع—كلها تفاصيل قد تبدو بسيطية، لكنها تملك قدرة فعلية على إعادة تقديم القطعة ضمن سياق جديد.

وبهذا المعنى، يمكن القول إن الخوارزمية لم تعد مجرد أداة تقنية، بل تحوّلت إلى وسيط ثقافي يعيد تعريف ما يستحق الانتباه، وكيف يتم اكتشافه.

حين تصبح جزءاً من "الستايل"

من أبرز ملامح هذا التحوّل أيضاً، هو انتقال الساعة من خانة الإكسسوار التكميلي إلى عنصر فاعل في بناء الإطلالة. لم تعد تُضاف في نهاية التنسيق، بل أصبحت جزءاً من بنيته الأساسية، قادرة على تغيير إيقاعه أو إعادة توجيه قراءته.

هذا التغيّر مرتبط بشكل وثيق بتداخل عالم الساعات مع ثقافات بصرية أخرى، مثل أزياء الشارع، وثقافة السنيكرز، وحتى الموسيقى. هذا التداخل لم يلغي الفوارق، لكنه خلق مساحات جديدة للتجريب، حيث يمكن لقطعة كلاسيكية أن تُرتدى بأسلوب يومي، أو لساعة رياضية أن تدخل في سياق أكثر أناقة.

النتيجة ليست فقط تنويعاً في طرق الارتداء، بل إعادة تعريف لفكرة "الذوق" نفسها، بحيث تصبح أكثر مرونة وأقل خضوعاً لقواعد ثابتة. في ظل هذا المشهد، يبدو أن مفهوم الأناقة استعاد مكانته كمعيار أساسي، لكن بصيغة مختلفة عمّا كان عليه سابقاً. لم يعد الجمال مرتبطاً بالكمال أو بالتوافق مع معايير تقليدية، بل أصبح أقرب إلى تجربة شخصية، قد تكون غير متوقّعة أو حتى متناقضة.

الاختيارات لم تعد تسعى إلى نيل الإجماع، بل إلى التعبير عن تفرّد. وهذا ما يفسّر انجذاب الجيل الجديد أحياناً إلى تصاميم غير تقليدية، أو إلى قطع تحمل طابعاً بصرياً قوياً، حتى لو لم تكن الأكثر "منطقية" وفق المعايير الكلاسيكية.

في هذا السياق، تتحوّل الساعة إلى مساحة اختبار للهوية، حيث يصبح الجمال وسيلة لاكتشاف الذات بقدر ما هو وسيلة للظهور.

إعادة صياغة مفهوم الخبرة

رغم أن الندرة لا تزال عنصراً أساسياً في عالم الساعات الفاخرة، إلا أن معناها بدأ يتغيّر في ظل ثقافة رقمية تقوم على المشاركة المستمرة. فالقيمة لم تعد محصورة في عدد القطع المتوفرة، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بمدى حضورها في الفضاء البصري.

هذا لا يعني أن الندرة فقدت أهميتها، بل أنها أصبحت تتقاطع مع معيار جديد: القابلية للانتشار. فالقطعة التي تنجح في خلق صورة قوية، أو في الظهور ضمن سياقات متعددة، تكتسب نوعاً مختلفاً من القيمة، يتجاوز حدود السوق ليصل إلى الذاكرة الجماعية. وبذلك، نجد أنفسنا أمام توازن دقيق بين ما هو نادر وما هو مرئي، حيث لا يلغي أحدهما الآخر، بل يعيدان تعريف بعضهما.

التحوّل لا يطال القطع فقط، بل يمتد إلى مفهوم الخبرة ذاته. فالمعرفة التقنية، رغم أهميتها، لم تعد المعيار الوحيد لتحديد "الخبير". ظهرت إلى جانبها أشكال أخرى من الفهم، أكثر ارتباطاً بالحدس البصري وبالقدرة على قراءة القطعة ضمن سياقها الثقافي.

هذا النوع من الخبرة لا يعتمد على الحفظ أو التراكم، بل على التفاعل المباشر مع الصورة، وعلى القدرة على الربط بين عناصر مختلفة: تنسيق، إضاءة، حركة، وسرد. وهنا، يصبح الحديث عن الساعات أقل تخصصاً، وأكثر انفتاحاً، ما يتيح لجمهور أوسع الدخول إلى هذا العالم من دون الشعور بالحواجز التقليدية.

العلاقة مع الزمن… من الوظيفة إلى المعنى

في مفارقة لافتة، يأتي هذا الاهتمام المتزايد بالساعات في وقت لم تعد فيه الحاجة العملية إليها كما كانت. فالهواتف الذكية تؤدي وظيفة الوقت بدقة وسهولة، ومع ذلك، يستمر حضور الساعات، بل ويتعزّز.

السبب لا يرتبط بالوظيفة، بل بالمعنى. الساعة اليوم ليست أداة لقياس الوقت بقدر ما هي وسيلة للتفاعل معه. قطعة ملموسة في عالم سريع وعابر، تمنح إحساساً بالاستمرارية، وربما بشيء من الثبات وسط التغيّر الدائم.

هذا البُعد الرمزي يفسّر كثيراً من خيارات الجيل الجديد، الذي لا يبحث فقط عن الدقة، بل عن تجربة تحمل قيمة شعورية تتجاوز الاستخدام اليومي. وأمام هذه التحوّلات، تجد الدور العريقة نفسها أمام تحدٍ واضح: كيف تحافظ على إرثها من دون أن تبدو بعيدة عن واقع جديد يتغيّر بسرعة؟

الإجابة لا تكمن في التخلّي عن الماضي، بل في إعادة ترجمته. أي في تقديمه بلغة بصرية وسردية تتماشى مع الحاضر، من دون فقدان جوهره.

بعض العلامات بدأت بالفعل في استكشاف هذا الاتجاه، سواء من خلال حملات أكثر ديناميكة، أو تعاونات تتقاطع مع مجالات ثقافية مختلفة. هذه الخطوات لا تعني القطيعة مع التاريخ، بل إعادة تفعيله ضمن سياق معاصر. في النهاية، لا يمكن فهم هذا التحوّل من دون التوقّف عند البعد العاطفي في عملية الاقتناء. فالقرار لم يعد يُبنى فقط على اعتبارات عقلانية، مثل القيمة أو الاستثمار، بل أصبح مرتبطاً بما تثيره القطعة من شعور.

كيف تبدو؟ كيف تُشعر؟ وما الذي تضيفه إلى الصورة الذاتية؟ هذه الأسئلة، وإن لم تُطرح دائماً بشكل مباشر، تشكّل جزءاً أساسياً من عملية الاختيار. وهنا، تتحوّل الساعة من منتج إلى تجربة، ومن قطعة مادية إلى عنصر في سرد شخصي أوسع، يُعاد بناؤه باستمرار عبر ما يُرتدى، وما يُصوَّر، وما يُشارك.

نحو تعريف جديد للاقتناء

كل هذه التحوّلات تقود إلى إعادة التفكير في معنى أن يكون القارئ "جامع ساعات". لم يعد الأمر مرتبطاً بعدد القطع أو بندرتها فقط، بل بطريقة التفاعل معها، وبالقدرة على اختيار ما يعكس هوية شخصية واضحة.

قد تكون المجموعة صغيرة، لكنها دقيقة. وقد تكون بسيطة، لكنها تحمل معنى. في هذا السياق، يصبح الاقتناء فعلاً واعياً، لا بمعناه التقليدي المرتبط بالمعرفة، بل بمعناه المعاصر المرتبط بالاختيار، بالتجربة، وبالقدرة على تحويل القطعة إلى جزء من قصة أكبر.

عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.

المجوهرات