فقد عالم الأزياء أمس أحد أعمدته الكبرى برحيل المصمّم الإيطالي الأسطوري فالنتينو غارافاني عن عمر ناهز 93 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً لا يُقدّر بثمن من الابتكار والفخامة والرقي. اسم فالنتينو لم يكن مجرد علامة تجارية، بل أصبح مرادفاً للأناقة الراقية وللإطلالات التي تصنع التاريخ على السجادة الحمراء. برحيله، تُطوي صفحة ذهبية من عالم الهوت كوتور، لكنها ستظل حيّة في ذاكرة الموضة إلى الأبد.
البدايات: شغف ولد من الحلم
وُلد فالنتينو غارافاني عام 1932 في إيطاليا، وبدأ اهتمامه بالموضة في سن مبكرة جداً. انتقل إلى باريس في شبابه ليتعلّم فنون تصميم الأزياء في أرقى المدارس، قبل أن يعود إلى روما ويفتتتح دار أزيائه الخاصة عام 1959. منذ مجموعته الأولى، لفت الأنظار بلمسته المترفة وحسّه الأنثوي المرهف، مقدّماً تصاميم تجمع بين الدراما والرومانسية والدقّة المتناهية في التفاصيل. سرعان ما أصبح اسمه مقترناً بنساء المجتمع الراقي ونجمات السينما في هوليوود.
ثورة اللون الأحمر
من أبرز بصمات فالنتينو التي صنعت هويته الفريدة هو اللون الأحمر الشهير الذي أصبح يعرف عالمياً باسم "أحمر فالنتينو". هذا اللون القوي والمشرق ظهر لأول مرة في بداياته، وتحول مع السنوات إلى توقيع بصري للدار، حتى إن شركة Pantone خصصت درجة لونية رسمية تحمل اسمه. لم يكن الأحمر بالنسبة إليه مجرد لون، بل تعبيراً عن الثقة والقوة والأنوثة المطلقة، وقد رافق أعظم إطلالاته عبر العقود.
مصمّم السجادة الحمراء بامتياز
قلّة من المصممين استطاعوا أن يرتبط اسمهم بهوليوود كما فعل فالنتينو. كان الخيار الأول لملكات السينما وأيقونات الأناقة: من جاكي كينيدي وأودري هيبورن إلى جوليا روبرتس، كيت بلانشيت، غوينيث بالترو، وآن هاثاواي. فستان جوليا روبرتس الأبيض والأسود في أوسكار 2002 ما زال حتى اليوم من أكثر الإطلالات رسوخاً في الذاكرة، وكذلك إطلالة بلانشيت بفستان التفتا الأصفر الشاحب في 2005. كان فالنتينو يدرك تماماً كيف يصنع لحظة بصرية لا تُنسى، مستخدماً الدانتيل والحرير والشيفون والتطريزات اليدوية الدقيقة ليحوّل كل فستان إلى عمل فني.
روح الدار بعد الاعتزال
في عام 2008، أعلن فالنتينو تقاعده رسمياً، لكن روحه الإبداعية بقيت نابضة داخل الدار التي تحمل اسمه. تعاقب على إدارتها الإبداعية عدد من المصممين، أبرزهم ماريا غراتسيا كيوري ثم بييرباولو بيتشيولي، الذي نجح في نقل إرث المؤسس إلى عصر جديد مع الحفاظ على جوهره الدرامي والأنثوي. وحتى بعد اعتزاله، ظلّت نجمات هوليوود يتجهن إلى أرشيفه العريق لاختيار فساتين تاريخية لإطلالاتهن، في دليل واضح على خلود تصاميمه خارج حدود الزمن.
إرث يتجاوز الموضة
ما ميّز فالنتينو لم يكن فقط موهبته الاستثنائية، بل قدرته على فهم المرأة ورغبتها في أن تشعر بالجمال والقوة في آن واحد. كان يؤمن بأن الفستان الجيد قادر على تغييير المزاج والحياة، وأن التفاصيل الصغيرة هي ما يصنع الفارق. لذلك جاءت تصاميمه دائماً غنية بالتطريز، والأقمشة الفاخرة، والقصّات التي تحتفي بالجسد الأنثوي من دون مبالغة.
على مدى أكثر من خمس عقود، قدّم فالنتينو مئات الإطلالات الخالدة التي شكّلت جزءاً من ذاكرة الثقافة الشعبية، من حفلات الأوسكار إلى مهرجان كان وحفلات الميت غالا. وحتى اليوم، ما زالت تصاميمه القديمة تبدو حديثة ومواكبة، وكأنها صُممت للأمس لا للأرشيف.
الوداع الأخير
برحيل فالنتينو غارافاني يخسر العالم أحد آخر عمالقة العصر الذهبي للموضة، لكن إرثه سيبقى حيّاً في كل فستان أحمر، وفي كل تطريزة دقيقة، وفي كل امرأة شعرت يوماً بأنها أكثر جمالاً بفضل تصميم من توقيعه. لقد غادر الجسد، لكن الأسطورة ستظل تتألق إلى الأبد على منصّات العروض والسجاد الأحمر حول العالم.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.