ربما تعتقدين بأن آثار الحرب تقتصر على الحالة الأمنية المتردية فقط، وألا علاقة لقطاعي الجمال والموضة بهذه الأزمة. لكن الحقيقة عكس ذلك تماماً. فالكثير من التفاصيل التي تدخل في هاتين الصناعتين تعتمدان بشكل أساسي على المشتقات النفطية! نعم، لا داعي للاستغراب، فالتغليف والجلود والعديد من التركيبات تدخل فيها المشتقات النفطية، ومع تراجع حركة استيراد وتصدير النفط في الوقت الراهن بسبب تقييد حركة السفن في مضيق هرمز، سنشعر قريباً بآثار سبية كبيرة على العديد من القطاعات المتعلقة بأسلوب الحياة، ومن بينها قطاع صناعة الأحذية! فما هي التفاصيل؟
أزمة مرتقبة؟
تتزايد الضغوط على قطاع الأحذية العالمي مع استمرار ارتفاع أسعار النفط، في وقت تشير فيه معطيات جديدة صادرة عن Footwear Distributors and Retailers of America (FDRA) إلى أن التأثير الحقيقي على الأسعار قد لا يظهر قبل شهرين أو ثلاثة. وخلال ندوة افتراضية عقدتها المؤسسة، أوضح رئيسها التنفيذي Matt Priest أن النفط يدخل بشكل مباشر في ما لا يقل عن 25 مكوّن مختلف يُستخدم في صناعة الأحذية، ما يجعل القطاع شديد الحساسية لأي تغيّر في أسعار الطاقة.
تشمل هذه المكوّنات مواد أساسية تدخل في تصنيع الأحذية الرياضية والعصرية على حد سواء، مثل رغوة البولي يوريثان الحرارية المستخدمة في التوسيد، ومواد البلاستيك مثل PVC والبوليكربونات، إضافة إلى الأقمشة الصناعية مثل البوليستر والنايلون والمنسوجات التقنية. هذه المواد تشكّل جزءاً أساسياً من بنية الحذاء وليس مجرد عناصر ثانوية، ما يعني أن أي زيادة في تكلفتها ستنعكس مباشرة على سعر المنتج النهائي.
ورغم أن الزيادات لم تظهر بشكل واضح بعد على مستوى المكوّنات، إلا أن الشركات بدأت بالفعل بملاحظة ارتفاع التكاليف اللوجستية. فقد بدأت شركات الشحن البحري بفرض رسوم إضافية على الحاويات تتراوح بين 275 و375 دولاراً، وهو ما يشكّل عبئاً إضافياً خصوصاً على العلامات الصغيرة التي لا تملك عقوداً طويلة الأمد مع شركات النقل. أما الشركات الكبرى، فغالباً ما تتمكّن من امتصاص هذه الزيادات بشكل جزئي بفضل اتفاقيات سنوية يتم التفاوض عليها عادة في شهري فبراير ومارس.
في المقابل، تبدو كلفة الشحن الجوي أكثر تأثراً، إذ ارتفعت أسعار وقود الطائرات بنسبة 75 في المئة خلال شهر واحد فقط، ما أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف نقل المنتجات السريعة أو الإصدارات التي تعتمد على سرعة الوصول إلى السوق، خصوصاً قبل مواسم التسوق الكبرى مثل عيد الفصح. وتشير البيانات إلى أن الشركات الصغيرة التي تعتمد على الأسعار الفورية قد تواجه رسوماً إضافية تتراوح بين 400 و1000 دولار على الشحنات الجوية.
كما توقع Matt Priest ، الرئيس والمدير التنفيذي لجمعية موزعي وتجار التجزئة للأحذية في أميركا ، أن يظهر التأثير الفعلي على أسعار المكوّنات خلال فترة تمتد بين شهرين وثلاثة، وذلك لأن مورّدي المستوى الثاني والثالث يحتفظون عادة بمخزون يكفي لهذه المدة. ومع استهلاك هذا المخزون وشراء مواد جديدة بأسعار أعلى، قد ترتفع تكلفة المكوّنات وحدها بنسبة تتراوح بين 3 و7 في المئة، وهو ما قد يرفع سعر الحذاء بشكل ملحوظ عند احتساب الرسوم الجمركية التي تُفرض على السعر المعلن عند التصدير.
وفي الوقت نسفه، تزداد الضغوط على العلامات التجارية نتيجة مطالب بعض المورّدين بالحصول على مبالغ إضافية لتعويض ارتفاع التكاليف، في وقت تحاول فيه الشركات إبقاء الأسعار مستقرة لحماية الطلب الاستهلاكي. كما أن التحقيقات التجارية الجديدة التي أطلقتها U.S. Trade Representative حول فائض الطاقة الإنتاجية والعمل القسري قد تفتح الباب أمام إجراءات جمركية إضافية، ما يزيد من حالة عدم اليقين في قطاع يعتمد أساساً على سلاسل توريد معقّدة ومترابطة عالمياً.
ما الذي يمكن أن تعلمّه من هذه الأزمة؟
قد تبدو هذه الأزمة في ظاهرها اقتصادية بحتة، مرتبطة بأسعار النفط وسلاسل التوريد والرسوم الجمركية، إلا أنها في العمق تطرح سؤالاً أوسع يتعلّق بأسلوب حياتنا نفسه. فارتفاع كلفة الأحذية والملابس ليس مجرد خبر في الأسواق، بل قد يكون لحظة مفصلية تعيد تشكيل عاداتنا الاستهلاكية التي اعتدنا عليها خلال السنوات الماضية. نحن أمام مرحلة قد تدفعنا، شئنا أم أبينا، إلى التخلّي عن ثقافة الشراء السريع والمستمر، والعودة إلى فكرة أكثر هدوءاً ونضجاً في الاستهلاك. فبدلاً من اقتناء عدد كبير من القطع التي تُستخدم لفترة قصيرة ثم تُستبدل بسرعة، قد نتّجه إلى شراء عدد أقل من المنتجات، ولكن بجودة أعلى وعمر أطول. هذه الأزمة تذكّرنا بأن الأناقة الحقيقية لا تُقاس بعدد المشتريات، بل بقدرتنا على اختيار ما يناسبنا فعلاً والاستثمار في قطع تحمل قيمة حقيقية، لا مجرد موضة عابرة.
ومن جهة أخرى، يمكن لهذه التحوّلات أن تكون فرصة لإعادة التفكير في مسؤوليتنا تجاه المجتمع والبيئة معاً. فالتقليل من الاستهلاك غير المبرّر لا يعني فقط توفير المال، بل يعني أيضاً تخفيف الضغط على الموارد الطبيعية وتقليص الاعتماد على المواد الصناعية التي تضرّ بالبيئة على المدى الطويل. هذه الأزمة قد تعلّمنا أن الوقت حان لنركّز أكثر على الأمور الحياتية التي تستحق فعلاً اهتمامنا، وأن نتخلّى تدريجياً عن ثقافة الاستهلاك المفرط التي تجعل الشراء هدفاً بحدّ ذاته. وفي عالم الأزياء تحديداً، قد تكون هذه اللحظة بداية انتقال حقيقي من المنتجات السريعة إلى القطع المدروسة التي تعيش معنا لسنوات، وتعبّر عن أسلوبنا الشخصي بدل أن تفرضه علينا الاتجاهات المؤقتة. إنها لحظة قد تغيّر ليس فقط ما نشتريه، بل أيضاً الطريقة التي ننظر بها إلى الاستهلاك كجزء من حياتنا اليومية.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.