في صباح رمادي ممطر في باريس، لم يكن الوشاح الحريري مجرد تفصيل إضافي في عرض Celine، بل تحوّل إلى مشهد كامل. وشاح حريري ضخم، بحجم مسبح أولمبي، تمدّد فوق ساحة الدار ليظلل الحضور من محرّرين ومشترين ونجوم. بدا الأمر في البداية مجرد فكرة جذابة للصور، لكن مع انطلاق عرض المصمّم الجديد للدار Michael Rider، بدا واضحاً أن الوشاح لن يكون مجرد أكسسوار هذا الموسم، بل بداية مرحلة جديدة في أسلوب الدار.
في المجموعة الأولى ثم مجموعة الربيع التي تلتها، ظهر الوشاح الحريري بكل الطرق الممكنة: فقد أطلّ من تحت ياقة المعطف، التفّ حول الرقبة بأسلوب غير رسمي فوق البلايزر، أو انسدل على الكتف مثل وشاح مسائي خفيف. اما الأسلوب الأكثر إثارة، فهو أن الدار استخدمته أيضاً كقطعة أساسية في التصميم نفسه، كقماش داخلي لمعطف ترنش، أو تنورة من قطع متعددة، وحتى كتوب ملفوف بأسلوب أنثوي جريء.
المفاجأة أن الظاهرة لم تقتصر على دار واحدة. خلال الصيف نفسه، ظهرت أوشحة الحرير على الجميع تقريباً، من أليسكا تشانغ إلى كايلي جينير، حيث تم تنسيقها كتنورة صغيرة فوق البنطلون أو الشورت. ثم جاءت عروض الربيع في لندن وباريس وميلانو لتؤكد أن الوشاح أصبح قطعة محورية. في عرض Hermès مثلاً، أعادت المديرة الإبداعية تفسير الوشاح الكلاسيكي بأسلوب جريء عبر إدخاله في إطلالات جلدية حديثة. أما في عرض Gucci، فقد ظهر وشاح الرأس الشهير للدار مع تفاصيل مبتكرة تضيف له طابعاً عصرياً غير متوقّع.
الوشاح الحريري يتحوّل إلى أداة أسلوب لا حدود لها
أكثر ما يميّز عودة الوشاح الحريري هذا الموسم هو أنه لم يعد يُستخدم بالطريقة التقليدية. لم يعد مجرّد قطعة أنيقة تُربط حول الرقبة، بل أصبح أداة أسلوب حقيقية يمكن تحويلها إلى عشرات الإطلالات. في عروض Dries Van Noten مثلاً، تم لفّ الأوشحة حول الخصر فوق البنطلون بأسلوب يشبه الباريو، وكأنها قطعة مصمّمة للانتقال من المكتب إلى السهرة بسهولة. في المقابل، قدّمت Versace قمصاناً بطبعات أوشحة حريرية مستوحاة من أسلوب الثمانينيات المليء بالجرأة واللمعان.
أما في عرض Chanel، فظهر الوشاح ضمن فساتين رومانسية بطبعات ناعمة، بينما قدّمت Miu Miu نسخاً أكثر ذكاءً، حيث تم تنسيقه كربطة أنيقة تحت السترات الصوفية أو فوق القمصان البولو. النتيجة كانت مزيجاً مثالياً بين الأناقة الكلاسيكية والطابع العملي العصري.
اللافت أيضاً أن الوشاح أصبح قطعة أساسية في إطلالات السفر والمناسبات الصيفية. يمكن ارتداؤه كـ “باندو توب”، أو لفّه حول الرأس بأسلوب سبعيني، أو استخدامه كتنورة خفيفة فوق الشورت. هذا التحوّل جعله أكثر جاذبية للجيل الجديد، لأنه يمنح الحرية في التعبير عن الأسلوب الشخصي من دون قيود. لم يعد الوشاح رمزاً للأناقة التقليدية فقط، بل أصبح قطعة مرنة يمكن استخدامها بأسلوب جريء أو ناعم أو حتى غير متوقّع.
لماذا يعود الآن تحديداً؟
لفهم هذه العودة القوية، لا يمكن تجاهل الدور التاريخي الذي لعبته Hermès في تحويل الوشاح الحريري إلى رمز للأناقة. منذ إطلاق أول وشاح حريري مطبوع عام 1937، أصبح جزءا من ذاكرة الموضة العالمية، وارتبط بأيقونات مثل غريس كيلي وأودري هيبورن وجاكلين كينيدي. كان يُنظر إليه دائماً كقطعة أنيقة وهادئة، مرتبطة بأسلوب كلاسيكي راقٍ.
لكن ما تغيّر اليوم هو الطريقة التي يتم من خلالها إعادة تفسير القطع الكلاسيكية. الموضة حالياً تعيش مرحلة تجمع بين الحنين إلى الماضي والرغبة في الابتكار. كثير من المصمّمين يعيدون تقديم تفاصيل أنثوية تقليدية مثل التنانير الكلاسيكية والزهور الناعمة والأكسسوارات الصغيرة، لكن بأسلوب أقل رسمية وأكثر جرأة. والوشاح الحريري هو القطعة المثالية لهذا التوجّه، لأنه يحمل تاريخاً طويلاً، لكنه في الوقت نفسه سهل التحويل إلى إطلالة معاصرة.
كما أن انتشار التسوّق من القطع القديمة أو الـVintage ساهم في عودته. كثير من الأوشحة الحريرية، خصوصاً من Hermès، تُورَّث من جيل إلى آخر، ما يمنحها قيمة عاطفية إضافية. وهذا ما يجعلها اليوم أكثر جاذبية من أي وقت مضى: قطعة صغيرة، لكن بإمكانها تغيير الإطلالة بالكامل، وإضافة لمسة أناقة فورية، وفي الوقت نفسه التعبير عن شخصية مختلفة تماماً في كل مرة يتم تنسيقها فيها.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.