في كل موسم، لا تعيد الموضة تقديم نفسها كاتجاهات جديدة فقط، بل كمرآة لزمنها. وما يميز موسم خريف وشتاء 2026 هو هذا الإصرار الواضح على استعادة الثمانينيات ليس كاسترجاع نوستالجي، بل كإعادة قراءة معاصرة لفكرة "الهيبة" في الملابس. على منصات العرض، لم تكن الإطلالات مجرد اقتراحات جمالية، بل بيانات قوة واضحة، تتحدث عن حضور المرأة، وعن شكل السلطة حين تُترجم إلى قماش، كتف عريض، ولون نابض بالحياة.
ما نراه اليوم هو عودة ما يمكن تسميته بـStatement Dressing، أي الأزياء التي لا تهمس بل تتحدث بصوت مرتفع. أكتاف هندسية، أقشمة لامعة، قصّات حادة، وألوان جواهرية تفرض حضورها قبل أن تشرح نفسها. إنها موضة لا تبحث عن الخجل، بل عن الوضوح، وكأن المصممين يتفقون على فكرة واحدة: الإطلالة يجب أن تُرى وتُفهم من النظرة الأولى.
في هذا السياق، قدمت دور مثل Balmain وStella McCartney وValentino وDolce & Gabbana وMugler قراءات مختلفة لكن متقاربة في الجوهر. جميعها تعيد رسم ملامح المرأة القوية، ولكن كل منها من زاويته الخاصة، بين التمرد الهادئ والبذخ المدروس.
في عرض Balmain، ظهر الفستان بلون أخضر داكن يميل إلى الأزرق، بقصة عالية الرقبة وتفاصيل ملتفة عند الخصر، كأنه يوازن بين الصرامة والنعومة في الوقت نفسه. هذه الفكرة في تشكيل الجسد عبر القماش تعيدنا إلى الثمانينيات، لكنها هنا أكثر هدوءاً، أقل صخباً، وأكثر دقة في التنفيذ.
أما في مجموعة Paul Costelloe، فاختار لغة أكثر بنيوية، عبر أكتاف بارزة بوضوح في قمصان حريرية خفيفة، مع سراويل واسعة من التويد المنقوش. هذا المزج بين الخفة والثقل يخلق توتراً بصرياً مقصوداً، يذكّر بأن القوة لا تأتي من الصلابة فقط، بل من التناقض أيضاً.
وفي عرض Luisa Spagnoli، يتحول الـJumpsuit إلى قطعة سيطرة كاملة، بلون أزرق ملكي وقصة تُبرز الكتفين بشكل منحوت، مع خصر مشدود بحزام أسود. هنا، الثمانينيات لا تُستعاد كفكرة شكلية، بل كحالة سيطرة كاملة على الصورة.
أما Mugler، فكما هو متوقع، يقدم دراما بصرية واضحة. البلوزات الحريرية ذات الخطوط الهندسية على الكتفين، والسراويل عالية الخصر، تخلق صورة امرأة تقف بين المستقبل والذاكرة في آن واحد. كل تفصيل يبدو محسوباً ليصنع حضوراً لا يمكن تجاهله.
Stella McCartney بدورها تقدم قراءة أكثر نعومة، لكنها لا تتخلي عن القوة. الأكمام الواسعة، الألوان الجريئة مثل الفوشيا، والسراويل الضيقة بأسلوب الـStirrup، كلها عناصر تعيد تعريف الأناقة العملية، حيث يمكن للمرأة أن تكون قوية دون أن تفقد خفتها.
في Valentino، يتخذ الأسلوب منحى أكثر مسرحية. الأكتاف المبطنة، القصّات العميقة، والتفاصيل الكبيرة على شكل مراوح قماشية، كلها تخلق إحساساً بالدراما المدروسة. هنا الثمانينيات تتحول إلى مشهد بصري غني، لا يخاف من المبالغة بل يحتفي بها.
Dolce & Gabbana قدّما بدورهما نسخة أكثر كلاسيكية من الـPower Suit، مع بدلة مخطططة وخصر محدد بوضوح. لكن حتى في هذا الإطار التقليدي، تبقى الثمانينيات حاضرة من خلال الحضور القوي للكتف والتوازن بين الذكورة والأنوثة داخل نفس الإطلالة.
Giada اختارت طريقاً أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل قوة. كنزات رمادية بأكتاف معمارية وتنورات غير متماثلة مع ذيول طويلة تعكس فكرة الحركة داخل الثبات، وكأن التصميم نفسه في حالة امتداد مستمر.
أما No. 21، فقد أعادت تقديم الفستان الأسود بطريقة غير متوقعة، عبر عقدة ضخمة تمتد من الخصر إلى الورك، كأنها عنصر نحت داخل قطعة ملابس. هنا يتحول الفستان الأسود من قطعة أساسية إلى بيان تصميمي يحمل طابعاً مسرحياً واضحاً.
ما يجمع كل هذه الاتجاهات ليس فقط استلهام الثمانينيات، بل إعادة تعريف فكرة القوة نفسها. لم تعد القوة مرتبطة بالحدة فقط، بل بالقدرة على الجمع بين التناقضات: النعومة والبنية، الجرأة والهدوء، البساطة والمبالغة. الألوان الجواهرية، الأكتاف البارزة، والقصّات المنظمة ليست مجرد تفاصيل تصميم، بل أدوات لصناعة حضور بصري لا يمكن تجاهله في عالم أصبح يعتمد على الصورة أكثر من أي وقت مضى.
في موسم FW26، لا تقدم الموضة إجابات جاهزة، بل تطرح سؤالاً واضحاً: كيف يمكن للمرأة أن تبدو قوية دون أن تتخلى عن أسلوبها الشخصي؟
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.