
لنكن صريحين: الجيل الجديد لا يشتري الملابس كما كان يفعل من سبقوه. اليوم، السؤال لم يعد "هل هذا جديد؟" بل "هل هذا يمثلني"؟ و"هل يمكنني إعادة تدويره بطريقة أذكى من صديقتي على إنستغرام؟". بين ضغط الاستهلاك السريع، ووعي بيئي يزداد يوماً بعد يوم، وصور لا تنتهي من الإلهام على تيك توك، صار عالم الموضة يعيش حالة إعادة ترتيب كاملة. وفي قلب هذا التحول، تظهر الملابس المستعملة ليس كخيار جانبي، بل كمصدر أساسي للأفكار والهوية وحتى الربح الجمالي.
موسم ربيع وصيف 2026 لا يتعامل مع الملابس المستعملة كخزانة قديمة، بل كمكتبة مفتوحة من الاتجاهات الجاهزة لإعادة القراءة. والأجمل؟ أن كل قطعة تقريباً تحمل تاريخاً صغيراً ينتظر مَن يعيد كتابته.
عودة الثمانينيات ولكن...
أول ما يلفت الانتباه هو عودة الثمانينيات ولكن ليس بطريقة الحنين الكلاسيكي. نحن لا نتحدث عن "تنكّر" أو استرجاع حرفي للماضي، بل عن استعادة القوة البصرية. الأكتاف العريضة، البدل المنظمة، الأحزمة العريضة التي تعلن حضورها قبل أن يدخل صاحبها الغرفة، والإكسسوارات الكبيرة التي لا تخجل من نفسها. الأحمر القوي، الأزرق المشبع، واللمعان الخفيف كلها تعمل كإشارة واضحة: هذه إطلالة تريد أن تُرى.
في عالم الملابس المستعملة، هذا الاتجاه يبدو وكأنه كنز جاهز. فمعاطف الصوف القديمة، السترات المنظمة، والجلود الناعمة من تلك الحقبة ليست مجرد قطع، بل مواد خام جاهزة لإعادة التدوير بأسلوب حديث. قطعة واحدة من هذا النوع قادرة على تحويل إطلالة بسيطة بالكامل إلى موقف بصري واضح. والأهم من ذلك أنها ترفع قيمة الإطلالة دون الحاجة إلى استهلاك جديد، وكأنك تقولين: "أنا لا أشتري أكثر، أنا أختار أفضل".
ثم ننتقل إلى صيحة تبدو في ظاهرها فوضوية، لكنها في الحقيقة محسوبة بدقة: تداخل النقشات. خطوط مع نقاط، زهور قديمة مع طبعات حيوانية، وأنماط لا تبدو وكأنها تتفق على أي شيء. لكن هنا بالضبط يكمن جمالها. لم يعد المطلوب تناغماً مثالياً، بل شخصية قوية تعرف كيف تجعل التناقض أسلوباً.
في سوق الملابس المستعملة، هذه الصيحة هي الجنة الحقيقية. لأن الفكرة ليست في إيجاد "طقم متكامل"، بل في بناء قصة من قطع منفصلة. فستان زهري قديم يمكن أن يلتقي مع جاكيت مخطط دون أي اعتذار بصري. بل على العكس، هذا التصادم هو ما يصنع الإطلالة. المتاجر هنا تتحول من أماكن بيع إلى مساحات تنسيق، وكأن كل رف هو مزاج مختلف ينتظر من يركبه بطريقة غير متوقعة.
أما الإكسسوار الذي يبدو بسيطًا لكنه يتحول إلى بطل خفي، فهو الشال. قطعة واحدة فقط، لكنها قادرة على لعب أدوار متعددة: توب، تنورة، ربطة شعر، حزام، أو حتى إضافة صغيرة على حقيبة. فجأة يصبح الشال هو أداة التغيير السريع في الإطلالة، مثل زر "إعادة تشغيل" للأزياء اليومية.
في عالم المستعمل، الشالات الحريرية والمطبوعة من التسعينيات والثمانينيات ليست نادرة، بل موجودة بكثرة. وهذا ما يجعلها عنصراً اقتصادياً وذكياً في الوقت نفسه. قطعة صغيرة يمكن أن تعطي حياة جديدة لخزانة كاملة، وتفتح الباب أمام عشرات التركيبات دون شراء جديد. وكأن الموضة تقول: لا تحتاجين إلى الكثير، تحتاجين فقط إلى طريقة جديدة لرؤية ما لديك.
موضة شاعرية
ثم نصل إلى المزاج الأكثر هدوءًا في هذا المشهد: شاعرية الموضة أو ما يمكن تسميته Poet Core. هنا نبتعد عن الضجيج البصري وندخل منطقة أكثر نعومة، أقرب إلى الكتب القديمة، الضوء الطبيعي، والملابس التي تبدو وكأنها عاشت حياة قبل أن تصل إلينا.
معاطف الترانش، التريكو الخفيف، الدانتيل الهادئ، القصمان ذات الياقات المفتوحة، والأحذية الكلاسيكية، كلها تشكل لغة بصرية تعتمد على الطبقات بدل الصدمة. الألوان تميل إلى البيج، العاجي، البني الدافئ، والأزرق الليلي. لا شيء صارخ، لكن كل شيء محسوب. القماش الذي خفت لمعانه، التطريز الذي يحمل أثر الزمن، وحتى التفاصيل الصغيرة غير المثالية، كلها تتحول إلى قيمة إضافية. هنا، الاستهلاك يصبح أكثر هدوءاً، وأكثر وعياً، وأقل اندفاعاً.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.