في عالم تُعرّف فيه الموضة غالباً بدورات سريعة وإنتاج مكثّف يفقد روحه، وُلدت علامة KAĪYA على مبدأ مختلف تماماً: أن تكون القطعة أكثر من مجرد لباس، بل حاملة لقصة تستحق أن تُروى وتُرتدى. من خلال مقاربة تقوم على "الموضة البطيئة" والحِرفة الأخلاقية، تنسج المؤسِسة لانا الخليل علامة تربط بين الجمال والمعنى، وبين الإنسان والمادة، عبر تعاونها مع حرفيين ومجتمعات مهمّشة، وتأمين أجور عادلة وفرص عمل قائمة على المهارة والكرامة.
تعتمد KAĪYA على إعادة استخدام الأقمشة الفائضة والمواد المعاد تدويرها كلما أمكن، في محاولة واعية لمواجهة فائض الإنتاج في صناعة تستهلك أكثر مما تحتمل الأرض. كل قطعة تُصمَّم بعينٍ نحو الاستمرارية، وبفلسفة بسيطة لكنها عميقة: أن نُنتج أقل… في هذا الحوار، تكشف لانا الخليل كيف تشكّلت KAĪYA من ذاكرة شخصية، وتجارب عابرة للقارات، ورؤية تعتبر أن الموضة يمكن أن تكون مساحة للإنصات، لا للسرعة.
حياتك بين نيجيريا، أميركا اللاتينية، وشرق آسيا تركت أثراً واضحاً على KAĪYA . هل هناك ذكرى محددة ما زالت تؤثر على طريقة تصميمك اليوم؟
قبل حوالي عشرين عام، قضيتُ الصيف في منزل العائلة في نيجيريا. أذكر أنني كنت أرتّب الملابس في الخزانة عندما عثرت على أقمشة أفريقية قديمة. بدافع الفضول بدأت أجرّبها، أقطعها وألفّها على جسدي مباشرة، وأثبتها بدبابيس. كانت الألوان نابضة، والنقوش كأنها لوحات فنية. كانت القطع خاماً، مليئة بالتعبير والحياة، وشعرت بسحر ارتدائها. تلك التجربة بقيت معي، وعلّمتني أن أترك القماش يقودني. حتى اليوم في KAĪYA، لا أبدأ من فكرة جاهزة، بل أستمع إلى القماش: قصته، وإحساسه، وما يثيره بداخلي.
لم تسلكي طريقاً تقليدياً في عالم الموضة. كيف ساعدك ذلك في إعادة تعريف مفهوم "العلامة"؟
خلفيتي كانت دائمًا مرتبطة بالنشاط الاجتماعي والعدالة. درست اقتصاديات التنمية في نيويورك في وقت كانت فيه شركات كبرى تُكشف فيها ممارسات استغلال العمالة. هذه الحقائق لم تبقى في الإطار الأكاديمي، بل أصبحت جزءا من أساس KAĪYA عدم دخولي إلى النظام التقليدي للموضة منحني نظرة مختلفة: أولوية للمعنى قبل السرعة، وللعملية قبل الضغط، وللإنسان قبل الحجم.
KAĪYA تقع بين الحسية والحِرفة الواعية. كيف توازنين بين السرد العاطفي والإنتاج المسؤول؟
بالنسبة لي، هما ليسا متناقضين. السرد العاطفي لا يُضاف إلى المنتج، بل ينبع من طريقة صناعته. الأقمشة تحمل تاريخاً، سواء جاءت من سوق محلي أو من أرشيف خام. والحسية تظهر في طريقة قصّها وتشكيلها على الجسد. لكن القيمة الحقيقية تأتي من نزاهة العملية: مَن صنعها، وكيف صُنعت، وفي أي ظروف.
تتحدثين كثيراً عن الأرض والهوية. كيف يتحول هذا المفهوم إلى شيء ملموس في التصاميم؟
أنا من جنوب لبنان، من بلدة حاصبيا. لم أتمكن من زيارتها في طفولتي بسببب الاحتلال، لذلك عرفتُها عبر الحكايات. كان والدي يتحدث عن الأرض، عن الزيتون، والتفاح، وشجرة البلوط القديمة. لاحقاً أدركت أن هذا الارتباط بالأرض لغة عالمية، نجدها لدى الشعوب الأصلية حول العالم. الأرض ليست مورداً، بل كائن حي. هذا المعنى يظهر في KAĪYA بوضوح، مثل قطعة The Land Remembers ، وفي تعاوننا مع حرفيين لاجئين، وفي سفرنا إليهم والعمل داخل بيئاتهم الأصلية للحفاظ على الحرفة في سياقها الحقيقي.
كيف تضمنين أن تعاونك مع الحرفيين والمجتمعات المهمّشة يبقى أخلاقيًا وغير استغلالي؟
نعمل مع ورشة تابعة لمنظمة "تحدّي" في بيروت، وهي مؤسسة تدعم التعليم والصحة والتمكين الاقتصادي للمجتمعات الأكثر هشاشة. ورشة الخياطة جزء من هذا النظام، حيث تحصل النساء على عمل، مهارات، واستقلال مالي. العلاقة ليست استخراجية، بل تشاركية. نحن لا نأخذ الحرفة ونحوّلها إلى منتج، بل ندعم منظومة قائمة على التمكين، مع أجور عادلة واستمرارية واحترام للمعرفة الثقافية.
في صناعة تحتفي بالسرعة، ماذا يعني "الموضة البطيئة" على مستوى العمل اليومي؟
يعني أن كل خطوة مقصودة. قد نقضي أسابيع على تطوير نموذج واحد، وننتج عدداً محدوداً من القطع. كل شيء محلي، مصنوع في لبنان مع حرفيين نعرفهم شخصياً. حتى التغليف جزء من الفكرة، فنستخدم بقايا الأقمشة بدل الهدر. لا شيء عشوائي أو صناعي بالكامل.
ما دور العاطفة في تصميم المجموعات؟
العاطفة هي الأساس. بعض القطع مرتبطة بذكريات محددة جداً، مثل تنور Kata المستوحى من تجربة لي في تايلاند خلال التدريب على الفنون القتالية. كانت لحظة شعرت فيها بالاكتمال والهدوء وسط طبعية خضراء ساحرة. التصميم هنا ليس شكلًا فقط، بل ترجمة شعور.
مع مبادراتك لدعم Animals Lebanon، كيف ترين الموضة كأداة فعل وليس فقط توعية؟
الفرق بين التوعية والفعل هو التأثير الحقيقي. الهدف من هذه المبادرة كان دعم العمل الميداني مباشرة. كل قطعة تتحول إلى مساهمة فعلية في إنقاذ الحيوانات خلال الأزمات. الموضة هنا تتحول إلى وسيلة مشاركة، لا مجرد رسالة.
ماذا يعني لكِ "لباس يحمل معنى" في عالم مغمور بالترندات؟
أن يكون مصنوعاً بضمير، يحترم الإنسان والبيئة. أن يشعر من يرتديه بشيء حقيقي: قوة، حنين، انتماء. في عالم الاستهلاك السريع، المعنى هو ما يبطئك ويجعلك تختار بوعي، لا فقط بإعجاب.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.