منذ تأسيس دار Viktor & Rolf ، اعتاد الثنائي الهولندي Viktor Horsting وRolf Snoeren أن يستخدما الأزياء الراقية كمنصة لطرح الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات. وفي مجموعتهما لخريف وشتاء 2026-2027، التي حملت عنوان "Gilded Age 2.0" وكُشف عنها خلال أسبوع باريس للأزياء الراقية، لم يكن الهدف الاحتفاء بالبذخ بقدر ما كان إعادة التفكير في معنى الفخامة نفسها، وفي المعايير التي تجعل قطعة ما تُعتبر ثمينة.
استلهم الثنائي عنوان المجموعة من العصر الحالي، الذي يهيمن عليه الاستعراض البصري وثقافة الظهور على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح البريق غالباً معياراً للقيمة. ومن هنا جاءت المجموعة لتتساءل: هل تكمن فخامة الأزياء الراقية في المواد الثمينة واللمعان، أم في الحرفية والفكرة والإبداع، مهما كانت الخامات المستخدمة؟
ولتجسيد هذا السؤال، ابتكر المصممان عرضاً مسرحياً غير تقليدي، أقيم داخل غرفة نوم تدور فوق منصة دائرية، حيث ظهرت عارضتان تتحركان في تناغم شبه كامل، وكأنهما انعكاسان في مرآة غير مثالية. كانت كل واحدة منهما ترتدي النسخة المقابلة من التصميم نفسه، وتقوم بتبديل ملابسها أمام الجمهور من دون أي مساعدة، في مشهد عزز فكرة الازدواجية التي قامت عليها المجموعة.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في طريقة العرض، بل في المواد المستخدمة. فقد ارتدت إحدى العارضتين تصاميم منفذة بأقمشة ذهبية غنية بالتطريز والترتر والعناصر اللامعة، بينما ظهرت الأخرى بالإطلالات نفسها تقريباً، ولكن باستخدام قماش الخيش البسيط، وهو من أكثر الخامات تواضعاً. وعلى الرغم من هذا التناقض، تعاملت دار Viktor & Rolf ، مع الخيش والذهب بالقدر نفسه من الدقة والحرفية، في رسالة واضحة تؤكد أن قيمة الكوتور لا تحددها المادة، بل المهارة التي تحولها إلى عمل فني.
وتجلت هذه الفلسفة في تفاصيل المجموعة، إذ جاءت الفساتين والبدلات متطابقة في القصات والبناء، بينما اختلفت الخامات فقط. فالفساتين المطرزة بخيوط ذهبية وشراريب براقة، قابلتها نسخ أخرى استُخدمت فيها أطراف مهترئة نُفذت يدوياً بدقة مذهلة، لتؤدي الدور البصري نفسه. كما ظهرت عقد التطريز الفرنسية والزخارف المعقدة على قماش الخيش، لتثبت أن الحرفية يمكن أن تمنح أبسط المواد قيمة تضاهي أفخم الخامات.
ولم يقتصر الحوار بين البذخ والبساطة على التطريز، بل امتد إلى الأشكال أيضاً. فقد تكرر معطف مزين بورود ثلاثية الأبعاد، انتقلت فيه الزهور من تكوينات هندسية مستوحاة من فن الأوريغامي عند الحافة، إلى ورود ناعمة ومستديرة على الكتفين، في استعراض لقدرة المشغل على إعادة تشكيل المادة، أياً كانت طبيعتها.
وجاءت لحظة الختام لتكشف الرسالة التي أراد الثنائي إيصالها بوضوح. فقد ظهرت العارضتان الأخيرتان بكلمتين بارزتين فوق الكتفين "Restraint" أي "الاعتدال"، و"Decadence" أي "البذخ"، في تلخيص مباشر للسؤال الذي طرحته المجموعة منذ بدايتها. إلا أن المصممين امتنعا عن الانحياز لأي من الخيارين، تاركين للجمهور حرية تحديد أيهما يمثل الفخامة الحقيقية.
بهذه المجموعة، لم يسعَ فيكتور آند رولف إلى ابتكار صيحات جديدة أو استعراض مهاراتهما التقنية فحسب، بل قدما نقداً هادئاً لعالم الموضة المعاصر، الذي بات يربط القيمة بالمظهر أكثر من الجوهر. ومن خلال وضع الذهب والخيش على المستوى نفسه، أعادا تعريف مفهوم الرفاهية في الأزياء الراقية، مؤكدين أن الإبداع الحقيقي لا يقاس بسعر الخامة، بل بقدرة المصمم على منحها معنى. وفي زمن أصبحت فيه الصورة أكثر حضوراً من المضمون، جاءت هذه المجموعة لتذكر بأن أعظم ما يميز الكوتور هو الفكرة التي يحملها، لا البريق الذي يعكسه.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.