في زمنٍ تُقاس فيه قيمة كثير من الأزياء بسرعة انتشارها على وسائل التواصل الاجتماعي، تبدو بعض المجموعات وكأنها تذكّرنا بسبب وقوعنا في حب الموضة أساساً. فالأزياء ليست دائماً بحثاً عن الجديد، ولا سباقاً خلف الصيحات، بل قد تتحول إلى وثيقة تحفظ الذاكرة، وإلى وسيلة للتعبير عن الهوية، بل وحتى إلى فعل مقاومة في وجه الظروف القاسية. لهذا، تصبح بعض القطع أكثر من مجرد قماش وخيوط؛ تصبح حاملة لقصص الناس والأماكن، وشاهدة على قدرة الإبداع على الاستمرار حين تبدو كل الخيارات الأخرى مستحيلة.
أناقة من قلب بيروت
تأتي مجموعة ILÉ من دار الأزياء البيروتية KAĪYA لتؤكد أن الموضة يمكن أن تكون انعكاساً صادقاً للواقع، لا هروباً منه. فقد وُلدت هذه المجموعة في مدينة تعيش على وقع الأزمات والتحولات، لكنها اختارت أن تنظر إلى بيروت بوصفها مساحة للإبداع لا للانكسار. ومن هنا، استمدت تصاميمها من التراث اللبناني، لتقدّم قراءة معاصرة لهوية لا تزال متجذرة رغم كل ما مرّ بها.
اسم المجموعة، ILÉ، يحمل في جوهره فكرة الانتماء، إذ تعبّر عن الوطن باعتباره علاقة حيّة بين الناس، لا مجرد مكان. لذلك جاءت التصاميم لتروي قصة مجتمع يجدّد نفسه باستمرار، مستنداً إلى روابطه الإنسانية وذاكرته الثقافية. وفي كل قطعة، يظهر التوازن بين الحرفية التقليدية واللمسات المعاصرة، في محاولة لترجمة مفهوم الصمود إلى لغة بصرية هادئة بعيدة عن الشعارات المباشرة. بالنسبة إلى مؤسِّسة الدار لانا الخليل، لا تُختزل الأزياء في شكلها الخارجي، بل تصبح وسيلة لحفظ القصص التي قد تضيع مع الزمن، وإبقاء الثقافة حيّة عبر تفاصيل يمكن ارتداؤها يومياً.
عندما تتحول الموضة إلى أثر اجتماعي
ولا تقف رسالة KAĪYA عند حدود التصميم، بل تمتد إلى طريقة صناعة كل قطعة. ففي إطار تعاونها مع المنظمة اللبنانية غير الحكومية "تحدّي"، تستعين الدار بحِرفيات من اللاجئات السوريات والفلسطينيات العاملات في ورشة الحياكة التابعة للمنظمة لإنتاج أكياس الملابس الخاصة بالعلامة. وما يلفت في هذه المبادرة أنها تعيد توظيف مواد كانت تُرمى بعد الاستخدام، لتصبح مصدر دخل وفرصة عمل تحفظ الكرامة وتدعم الاستقرار الاقتصادي لهذه المجتمعات. كما يذهب جزء من عائدات العلامة إلى دعم البرامج التي تنفذها المنظمة، في نموذج يربط بين الاستدامة والتمكين الاجتماعي.
ويمتد هذا الالتزام الإنساني إلى جانب آخر من حياة لانا الخليل، التي تتولى أيضاً رئاسة جمعية "Animals Lebanon" المعنية بإنقاذ الحيوانات. وانطلاقاً من هذه المسؤولية، خصصت KAĪYA ضمن مجموعة ILÉ تصاميم هوديز محدودة الإصدار يعود ريعها بالكامل إلى الجمعية، لدعم عمليات إنقاذ الحيوانات المتضررة في مناطق النزاعات وتأمين الرعاية الطبية والملاجئ لها. وهكذا تتحول الموضة إلى وسيلة للمساهمة الفعلية في قضايا إنسانية وبيئية، بعيداً من مفهوم الاستهلاك السريع. ومن خلال هذا النهج، تقدم KAĪYA نموذجاً مختلفاً لعلامات الأزياء، حيث تقاس قيمة القطعة ليس فقط بجمال تصميمها، بل أيضاً بالأثر الذي تتركه في حياة الأشخاص والمجتمعات التي ساهمت في صنعها.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.