كثيراً ما نشعر بأن الحظ يُحالفنا لأننا لم نولد في عصور تاريخية فرضت طبيعتها على النساء تحديداً دون الرجال نمط حياة قاسياً وغير مُنصف. فعلى مدار 400 عام تقريباً كانت النساء أسيرات لقطعة أزياء واحدة هي المشدّات "الكورسيه".
نشأت علاقة حب وكراهية مع الكورسيه الذي ظهر للمرة الأولى كما نعرفه في القرن السادس عشر، ليتحول إلى قطعة تعكس واقعاً اجتماعياً وثقافياً لعصور متتالية. فالكورسيه قطعة تُحاك من عدة خامات منها الأقمشة والعيدان الخشبية وصولاً إلى المعادن الصلبة وعظام الحيتان، وتُصمم لشد الخصر وتنحيفه إلى درجة إنقاص عشرات السنتيمترات من مُحيطه بصورة مُبالغة، مع دفع الصدر إلى أعلى وإبراز الوركين للحصول على شكل جسم أنثوي كالساعة الرملية.
ملكة فرنسا تكره الخصر السميك
زادت في فرنسا خلال القرن السادس عشر الأزياء ذات الخصر النحيف عندما حظّرت كاثرين دي ميديشي زوجة الملك هنري الثانى النساء ذوات الخصور السميكة من الحضور إلى البلاط الملكي، ما يعني أن النساء الأرستقراطيات والأكثر ثراءً سيلتزمن بارتداء الكورسيه في جميع الأوقات ليُصبح بعدها رمزاً للأناقة الملكية والانتماء إلى الطبقات الثرية، وسرعان ما التزمت جميع النساء في أوروبا بالكورسيه.
هل انتشر الكورسيه لجذب الرجال؟
الكورسيه كان وسيلة لإبراز معالم الجسد الأنثوي استخدمته النساء في كثير من الأحيان لجذب الرجال، وبالتالي تحمّلن الألم والضغط حتى بات الأمر أشبه بالتعذيب الجسدي، لكن هل هذا هو السبب فقط؟ يذهب الكثير من خبراء تاريخ الأزياء إلى أن الكورسيه كان يعكس حالة المرأة الاجتماعية في العصور السابقة، فلم تكن تعمل ولا تتحرك كثيراً في الخارج واعتمادها الوحيد للحصول على الدخل والحياة الكريمة هو الرجل، لذا كانت مُهمتها كيفيّة جذبه إليها والحفاظ عليه كزوج.
ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكورسيه لدى البعض منهن سوى قطعة تمنح جمالاً في حركة الجسم ودلالة على الوضع الاجتماعي والجاذبية والأناقة وتعزيز الثقة بأنفسهن خلال هذه العصور، لذا هي علاقة مُعقّدة للغاية بين المرأة والكورسيه.
تطوّرات الكورسيه
تطوّر الكورسيه من حيث التصميم، فتخلّى عن القوائم الصلبة لمصلحة تصميم أقصر وأخف وزناً في القرن الثامن عشر، ومع حلول القرن التاسع عشر تطور ليُصبح أطول وبرز شكل حرف S وفيه يدفع الكورسيه الأمامي المستقيم الحوض إلى الخلف والصدر إلى الأمام.
في العشرينيات، ومع حركة تحرر المرأة وممارسة الرياضة ومُشاركتها في الأنشطة العامة، ظهر الكورسيه المرن المطاطي بدلاً من الصلب، وفي الثلاثينيات والأربعينيات ظل الكورسيه مُحتفظاً بمرونته مع إلحاق "مشد صدر"، ومنذ الخمسينيات بدأت الموضة تتغير بوتيرة سريعة، وهذا ما جعل الكورسيه قطعة غير أساسية في الإطلالات اليومية.
الكورسيه من قطعة إجبارية إلى وسيلة تمرّد
المُصمم الأيقوني تيري موغلير استحضر الكورسيه خلال التسعينيات تجسيداً للأنثوية والقوة معاً، وأطلق لعنانة الخيال في تصاميم أصبحت بصمة الدار يستكملها المُدير الإبداعي Casey Caddawaller في مجموعته لربيع وصيف 2020 بتصاميم الكورسيه الشبكية المُعاصرة.
فيفيان ويستوود حوّلت الكورسيه من قطعة تُجسّد القهر والضغط على السيدات إلى قطعة لا تختارها سوى المرأة الجريئة المُستقلّة في مجموعتها لعام 1987، وأضافت إليه حسّاً من السخرية والتهكّم حين صمّمته من أقمشة تويد هاريس الأسكتلندية العريقة والرصينة، يستمر كورسيه فيفيان ويستوود بتصميمه الأنثوي كقطعة مُعاصرة إلى اليوم ترتديه بيلا حديد مع إطلالة كاجوال أو تختاره النجمات لفساتين السجادة الحمراء.
نجح جان بول غوتييه في تقديم تصميم أيقوني للكورسيه أحدث الكثير من الضجة حين أطلّت به مادونا في إحدى حفلاتها عام 1990، حيث أتى من الساتان مع تصميم مخروطي بدا للوهلة الأولى كالدرع الواقي لكنه يحمل رمزية للتمرّد على الكورسيه.
التمارين وعمليات التجميل تقضي على الكورسيه
التمارين الرياضية والحميات الغذائية وعمليات التجميل أدت إلى اختفاء وظيفة الكورسيه للحصول على قوام أنثوي ممشوق، وأصبح الكورسيه قطعة من الماضي إلى أن أعاد بعض المُصممين إحياءها مرة أخرى، وبدلاً من كونه وسيلة للضغط وعدم الراحة على مدار قرون أصبح مرادفاً للتمرد والقوة.
يعود الكورسيه مرة أخرى لكن ليس كقطعة أزياء بل وسيلة للتنحيف روّجت لها الأخوات كارداشيان – جينر منذ أعوام، وهو "المشد التنحيفي" للحصول على خصر نحيف وخسارة بعض السنتيميترات للحصول على شكل الساعة الرملية. لم يكن المشد التنحيفي سوى فكرة مستوحاة من الكورسيه قديماً، ولاقى المشد التنحيفي الكثير من الانتقادات لا سيما من الأطباء لتأثيره على الجسم، خاصة أن نتيجته لم تكن فعّالة وقوية كما التمارين الرياضية والحميات الغذائية والتدخلات التجميلية البسيطة، لكنه ما زال يلقى رواجاً إلى اليوم.
مُحررة أخبار وكاتبة مقالات لموقع gheir.com، شغفي بصناعة الأزياء دفعني إلى التعمق و دراسة أصولها، بينما خبرتي الأكاديمية في مجال الإعلام جعلت مهنة مُحررة الموضة هي الأمثل لي، لأنقل لكم يومياً أخبار الأزياء و المجوهرات، و حوارات مع أهم شخصيات الموضة العالمية والعربية بجانب تحليلات أسبوعية تكشف كواليس و خبايا صناعتها.