لم يكن الانتظار سهلاً. حالة الترقّب التي رافقتنا ونحن نعدّ الأيام لأول عرض هوت كوتور لجوناثان أندرسون على رأس دار ديور كانت مشحونة بالأسئلة بقدر ما كانت مشبعة بالأمل. هل سيتمكّن من مقاربة هذا الإرث الهائل من دون أن يثقله؟ هل سينجح في ترجمة لغته الإبداعية الخاصة ضمن أكثر عوالم الموضة حساسية ونخبوية؟ أمس في باريس، جاءت الإجابة واضحة ومطمئنة. مجموعة Dior Haute Couture ربيع وصيف 2026 لم تكن فقط جميلة أو متقنة، بل كانت باهرة بحق، وتجاوزت التوقّعات، لتزرع فينا شعوراً نادراً بالرضى والسعادة، ذاك الشعور الذي لا يولده إلا عرض يثبت أن الانتظار كان في مكانه الصحيح.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن أندرسون اختار الدخول إلى عالم الكوتور من بوابة الفهم العميق، لا الاستعراض. قدّم رؤية تحترم رموز الدار وتاريخها، لكنها لا تتجمّد عنده، بل تعيد تحريكه وتفعيله، وكأن الماضي هنا مادة حيّة قابلة لإعادة القراءة، لا أرشيفاً مغلقاً. كانت هذه البداية الواثقة بمثابة إعلان نوايا: ديور في مرحلة جديدة، لكن من دون فقدان روحها.
حِرفة تتحوّل إلى لغة معاصرة
سبق العرض فيلم تمهيدي ركّز على جوهر الهوت كوتور: الحِرفة. مشاهد مقرّبة للدبابيس، المقصّات، شريط القياس، وأيادي الخيّاطين، لم تكن مجرد لقطات جمالية، بل بيان بصري يؤكد أن هذه المجموعة تنطلق من احترام المعرفة المتوارثة. الدعوات نسفها حملت هذا المعنى، مع باقة صغيرة وإبرة خياطة من الشوكولاتة، في إشارة ذكية إلى أن الكوتور تجربة حسّية متكاملة.
الزهور، وتحديداً زهرة السيكلامن، حضرت كرمز مركزي، ليس فقط كعنصر جمالي بل كدلالة ثقافية وفكرية. هذه الزهرة، المرتبطة بالطبيعة وبعصر النهضة، تحوّلت إلى خيط ناظم بين الفن والعلم، بين الماضي والحاضر. في هذه المجموعة، لم تُستخدم الطبيعة كزخرفة، بل كمنظومة فكرية. كما ورد في ملاحظات العرض: تقليد الطبيعة لا يقود إلى نتائج ثابتة، بل إلى أنظمة متحركة تتتطوّر باستمرار، وهي الفلسفة نفسها التي حكمت هذه المجموعة.
أندرسون بنى تصاميمه كما لو كانت غرفة عجائب، حيث تتجاور القطع ذات الطابع المتحفي مع عناصر عضوية ونحتية. الفساتين ذات الحواف المنتفخة، الياقات المنحوتة، الطبقات المصنوعة من الأورغانزا والشيفون التي تحاكي الريش، كلها بدت كأعمال فنية تتحرّك، لا كملابس تقليدية. هنا، تتحوّل الحِرفة إلى لغة معاصرة، قادرة على التعبير عن الزمن، عن الذاكرة، وعن الجمال بوصفه قيمة فكرية لا شكلية فقط.
ديور… بين الإرث وإعادة الاكتشاف
على منصة العرض، تماهت الأزياء مع فضاء معدني غُطّي بسقف من الزهور، فيما مشت العارضات تحته وكأنهن جزءاً من تركيب فني متكامل. ظهرت إعادة تفسير سترة "بار" الأيقونية، ليس كنسخة مكرّرة، بل كفكرة أعيد بناؤها بنسب جديدة وروح أكثر نحتية. الأحذية الذهبية حملت شعار ديور بحلّة معاصرة، في تحية لتصاميم روجيه فيفييه التاريخية، بينما جاءت الحقائب بأشكال منحوتة وسوريالية، بعضها يستعيد حقيبة Lady Dior، ولكن بروح فنية فردية.
المجوهرات بدورها لعبت دوراً سردياً مهماً. بروشات مستوحاة من بورتريهات القرن الثامن عشر، لآلئ، زهور أوركيد مرسومة يدوياً، وأحجار نيزكية، كلها عناصر جمعت بين الأرضي والكوني، بين التاريخ والخيال. هذا التنوّع لم يكن اعتباطياً، بل يعكس اهتمام أندرسون بالزمن بوصفه مادة تصميمية، وبالهوت كوتور كمعرفة مهدّدة بالاندثار، لا تُحمى إلا بالممارسة.
في نهاية العرض، بدا واضحاً أن جوناثان أندرسون لم يقدّم مجموعة أولى فحسب، بل وضع أساساً فلسفياً لمرحلة كاملة. مجموعة تقول إن ارتداء الهوت كوتور هو فعل اقتناء وحفظ، وإن كل قطعة تحمل مسؤولية الاستمرار. ديور، في ربيع وصيف 2026، لم تكتفِ باستعادة أمجادها، بل أعادت طرح سؤال الجمال، وأجابت عنه بثقة، وهدوء، وذكاء.