قبل لحظات من انطلاق عرض شانيل هوت كوتور ربيع وصيف 2026، كان شعورنا العام داخل غراند باليه في باريس أشبه بحالة صمت مترقّب. الجميع كان يدرك أن ما سيحدث ليس عرضاً عادياً، بل لحظة مفصلية: أول عرض هوت كوتور لـ ماتيو بلازي على رأس الدار. تحت القباب الزجاجية المهيبة، تحوّل المكان إلى مشهد طبيعي شاعري، حيث انتشرت مجسّمات الفطر العملاقة، وتسللت زقزقة الطيور في الخلفية، لتخلق إحساساً بالهدوء والاسترخاء، وكأننا نبتعد مؤقتاً عن صخب الموضة وندخل غابة حالمة. هذا الديكور لم يكن مجرد خلفية، بل مفتاحاً لقراءة الرؤية التي تقف وراء لمجموعة الجديدة.
سردية الخفّة كخيار جمالي وفكري
اختار بلازي أن يقدّم أولى خطواته في عالم الهوت كوتور مع شانيل من بوابة الشعر والخفّة، متعمّداً الابتعاد عن ثقل التوقعات المرتبطة بتاريخ الدار. السردية التي بناها العرض استحضرت أجواءً أقرب إلى حكاية سندريلا معاصرة، حيث يُستبدل "ثِقَل العالم" بنسيم ربيعي ناعم. هنا، لم تقتصر الخفّة على ملمس الأقمشة فحسب، بل تحولت إلى ما يشبه مقاربة جمالية لمفهوم الأناقة، ومحاولة واعية لتقديم شانيل كدار قادرة على مواكبة روح العصر، بعيداً عن الصرامة والرموز الثقيلة.
العودة إلى جوهر غابرييل شانيل
في هذا العرض، عاد بلازي إلى جوهر غابرييل شانيل، المرأة التي حرّرت الجسد قبل أن تزيّنه. بدأ العرض بإعادة تخيّل بدلة التويد الأيقونية من الشيفون الشفاف بلون الجلد، تكاد تكون معلّقة بخيوط من السلاسل واللؤلؤ. خطوة جريئة، لكنها ذكية، تعكس رغبة المصمم في تفكيك الرموز بدل إعادة تدويرها. ومع تتالي الإطلالات، تحوّلت السردية إلى احتفاء بالمرأة المتحرّكة، امرأة لا تقيّدها الملابس بل تنسجم معها.
تنوّعت الإطلالات بين البسيط والمبالغ فيه. من فستان أسود بقصة مستقيمة وأكمام خفيفة ارتدته أليكس كونساني، إلى بدلة تنورة شفافة مطرّزة بدقة بفطر قوس قزح، عكست المجموعة قدرة بلازي على التنقّل بسلاسة بين نقيضين دون أن يفقد هويته. ومع تقدّم العرض، أصبحت القصّات أكثر قرباً من عالم الطيور، مستفيدة من شغف المصمم بالبناء الهندسي ومن رمزية الحرية المرتبطة بالطيران، ليعيد قراءة حداثة غابرييل شانيل بأسلوب معاصر وجريء.
ورغم أن الفساتين الدرامية اللافتة خطفت الأنظار، فإن بعض الإطلالات الأكثر هدوءاً، مثل تلك التي حملت أرقام 37 و42، كانت لا تقل سحراً. هذه القطع استلهمت جمال الطيور النادرة، لكنها قُدّمت على قصّات شانيل الكلاسيكية ذات الطابع الشبابي، في توازن ذكي بين الجرأة والوفاء للأرشيف.
الطبيعة كحرفة: حين تتحوّل الأقمشة إلى ريش
أبرز ما ميّز العرض كان الاستخدام الحرفي المتقدّم لمشاغل شانيل. بلازي دفع فرق العمل التقنية إلى ترجمة عناصر الطبيعة إلى أوهام نسيجية دقيقة. خيوط خام شكّلت تأثير ريش الطاووس على فساتين مستوحاة من عشرينيات القرن الماضي، وبتلات رمادية لامعة زيّنت تايورات خفيفة بالكاد تُرى، فيما جاء معطف أسود مصنوع بالكامل من الرافيا ليحاكي ريش الغراب.
حضرت فكرة الريش في المجموعة بأشكال متعددة، من التطريزات الدقيقة إلى تقنيات النسج، وكأن بلازي كان يلمّح أكثر مما يصرّح. حتى بدلة شانيل الكلاسيكية، الرمز الأيقوني للدار، نالت معالجة جديدة، فجاءت بصيغة شفافة وخفيفة، تخلّت عن صلابتها المعتادة لصالح نعومة شبه حلمية. كل قطعة عكست قدرة بلازي على بناء تعقيد بصري دون إثقال التصميم، وعلى خلق حركة طبيعية في الملابس، مدعومة بحس لوني لافت، يوازن بين الرقة والجرأة.
عروس من الريش والضوء
كالعادة، شكّل اللوك الختامي ذروة العرض. العروس جاءت بإطلالة مؤلفة من جاكيت وتنورة بلون العاج، مزيّنتين بترتر يوحي بالريش، انسدل بخفة على قوام العارضة بهافيتا ماندافا، إحدى المفضّلات لدى بلازي منذ أيامه في بوتيغا فينيتا. اختيارها لم يكن عابراً، بل حمل بُعداً شخصياً يوازي أهمية اللحظة. وفي عالم اعتاد أن يقدّم عروس الكوتور بفستان ضخم وفخم، اختار بلازي أن يثبت أن اللمسات الأخف هي الأصعب إتقاناً. هنا، لم يكتفِ المصمم بإظهار قوته، بل أبدع وحلّق عالياً.
شانيل أكثر إنسانية وأقرب إلى الجيل الجديد
من وجهة نظرنا، نجح بلازي في نقل شانيل إلى مرحلة جديدة تقوم على الالخروج من فكرة الإطلالة المتكاملة إلى فكرة الهوية الشخصية. ما يبدو مؤكداً هو أن بلازي، من خلال التركيز على الجوهر لا العلامات الظاهرة، وجد طريقة صادقة لتكريم المؤسِسة والنظر بثقة إلى الأمام. في النهاية، جاءت مجموعة ربيع وصيف 2026 كسيمفونية حلوة ومرة، تذكّرنا بأن أكثر القرارات جذرية في الموضة هي تلك التي تجعلنا نشعر بالخفة.