في أسبوع باريس للهوت كوتور، ينقسم المصممون عادة بين من يعيد التركيز على الكوتور كأقصى تعبير عن الفخامة الشخصية، ومن يقدّمه كمهرب كامل من الواقع، عبر استعراض تقني ومسرحي مبالغ فيه. في عرض فالنتينو للهوت كوتور ربيع وصيف 2026، نجح أليساندرو ميكيلي في الجمع بين الاتجاهين معاً، وفي لحظة شديدة الخصوصية. العرض قُدّم بعد أيام قليلة فقط من رحيل فالنتينو غارافاني، مؤسس الدار، ما أضفى على التجربة حنيني وعاطفة نادرين. ما كان يمكن أن يبدو ظرفاً طارئاً، تحوّل إلى انسجام شبه قدري: مجموعة تتأمل في السنيما، والبريق، وصناعة الأسطورة، وهي العناصر نفسها التي شكّلت جوهر عالم غارافاني منذ بداياته.
ديكور مسرحي يعيد تعريف فكرة العرض
الديكور لم يكن خلفية بصرية فحسب، بل رسالة بحد ذاته. دخلنا إلى فضاء مظلم، تتناثر فيه هياكل خشبية دائرية تحتوي على فتحات صغيرة بمستوى العين، مستوحاة من جهاز Kaiserpanorama، أحد أسلاف السينما في القرن التاسع عشر. لم يكن هناك ممشى تقليدي، بل مشاهد حيّة داخل صناديق مضائة، حيث ظهرت العارضات كصور متحركة داخل كادرات سينمائية. في بداية العرض، عُرض تسجيل صوتي لفالنتينو غارافاني يشرح فيه كيف وُلد شغفه بالموضة من خلال السينما، وعن إعجابه بنجمات الأربعينيات مثل هيدي لامار ولانا تيرنر. هذه الللحظة الصوتية لم تكن نوستالجيا فقط، بل بمثابة تسليم رمزي للشعلة، ربط الماضي بالحاضر، ووضع ميكيلي في حوار مباشر مع روح الدار.
تصاميم كأنها مشاهد سينمائية متجسدة
بصرياً، استعاد ميكيلي أيقونات السينما الصامتة وفخامة الآرت ديكو، ودمجهما في عالم واحد مترف ومتعدد الطبقات. بعض الإطلالات بدت كرسومات وقد خرجت من الورق إلى الواقع، مثل فستان أبيض من الساتان المقصوص على الانحياز، يعلوه معطف مخملي مطرز بلون العاج مع ذيل طويل، يتفجّر عند الرأس في غطاء من ريش النعام وأحجار الكريستال. ظهرت قفاطين شيفون مرصعة بزخارف هندسية فضية، ومعاطف مخملية بأسلوب بول بواريه مزينة بنقوش غرافيكية، وفساتين تحاكي أزياء زيجفيلد فوليز وماتا هاري. الذهب كان حاضراً كمادة ورمز في آن، من فساتين لاميه ذهبية إلى تيجان مطوية تشبه أشعة الشمس، محوّلة العارضات إلى آلهة سينمائية حديثة، وإلى تماثيل أوسكار نابضة بالحياة.
Specula Mundi : الكوتور كمرآة للهروب والحلم
أطلق ميكيلي على مجموعته اسم Specula Mundi، أي مرآة العالم، وفيها قدّم الهوت كوتور كطقس تأملي بقدر ما هو استعراض. الموسيقى التي مزجت بين الأوركسترا الكلاسيكية وإيقاعات التكنو زادت من الإحساس بأننا نعيش نوعاً من الطقوس. المشاهدة من خلال الفتحات فرضت تركيزاً غير معتاد على التفاصيل: التطريز، البناء، حركة القماش. في الوقت نفسه، خلقت الحيرة بين الرغبة في التأمل الحقيقي والرغبة في التقاط الصور، وهو تناقض يعكس رؤية ميكيلي نفسها. نعم، العرض كان كثيفاً وربما مفرطاً في إشاراته، لكن هذا الفائض هو جزء من قوته. من خلال هذا العمل، لم يقدّم ميكيلي مجرد مجموعة، بل عالماً متكاملًا يكرّم إرث فالنتينو السينمائي، ويؤكد أن الكوتور ما زال مساحة مشروعة للحلم، والأسطورة، والهروب من واقع متشظٍ. في هذا العرض، لم تكن الأزياء تُلبس فقط، بل كانت تُبجَّل.
تفاصيل تحكي قصة الحرفة والذاكرة
عند الاقتراب أكثر من القطع، تكشف مجموعة فالنتينو للهوت كوتور ربيع وصيف 2026 عن طبقات دقيقة من الحرفة والبحث البصري. التطريز لم يكن تزيينياً بقدر ما كان سردياً، إذ استخدمت الخرزات المعدنية وأحجار الراين لتشكيل خطوط ضوئية تشبه انعكاسات عدسات الكاميرا القديمة. القصّات اعتمدت على تلاعب ذكي بالانحياز والطبقات، ما منح الأقمشة حركة سينمائية حتى في لحظات السكون. الريش، سواء ريش النعام أو الريش الدقيق المستخدم كحواف خفيفة، جاء كعنصر درامي محسوب لا كاستعراض فارغ. كذلك لفت استخدام المخمل الثقيل مقابل الشيفون الشفاف، في حوار بين الثقل والخفة، بين الأرضي والحلمي. حتى الإكسسوارات، من التيجان الذهبية إلى الأغطية الرأسية المطرزة، بدت وكأنها امتداد طبيعي للملابس لا إضافات منفصلة. كل تفصيلة حملت إحساساً بالزمن والذاكرة، وكأن ميكيلي ينقّب في أرشيف الخيال الجماعي، ليعيد صياغته بحرفية عالية، تؤكد أن جوهر الهوت كوتور لا يزال في التفاصيل التي لا تُرى من النظرة الأولى، بل تُكتشف مع التأمل.