لم يكن عرض Giorgio Armani Privé ضمن أسبوع باريس للهوت كوتور مجرد مجموعة جديدة، بل لحظة اختبار حقيقية لدار ارتبط اسمها لعقود بشخص واحد: جورجيو أرماني. بعد رحيله العام الماضي، دخلت الدار مرحلة دقيقة، حيث يصبح السؤال الأساسي ليس فقط كيف نستمر، بل كيف نحافظ على الهوية دون أن تتحول إلى صورة جامدة من الماضي. مع تولّي سيلفانا أرماني الإدارة الإبداعية، جائت أول مجموعة كوتور لتؤكد أن الاستمرارية لا تعني التكرار، بل إعادة ضبط هادئة ومدروسة.
لغة هادئة في موسم صاخب
في موسم اتسمت فيه عروض الهوت كوتور بالدراما البصرية والمبالغة، اختارت سيلفانا أرماني أن تسبح عكس التيار. منذ الإطلالات الأولى، ساد إحساس بالهدوء والانسياب: قصّات ناعمة، أقمشمة خفيفة، وحضور أنثوي بعيد عن الاستعراض. التايور الذكوري، أحد أبرز رموز أرماني، لم يختفِ، بل خضع لعملية تليين ذكية. البلايزر جاءت أقل صلابة، رافقتها قمصان أورغانزا شفافة وربطات عنق خفيفية، فيما تحركت السراويل الواسعة المصنوعة من الكادي أو الأورغانزا بحرية، مؤكدة أن الأناقة هنا نابعة من الراحة والثقة، لا من البنية الصارمة.
كوتور للارتداء وليس فقط للمشاهدة
اللافت هو التحوّل الواضح في مفهوم الكوتور داخل الدار. عدد الفساتين المسائية كان أقل من المعتاد، مقابل تركيز ملحوظ على أزياء نهارية راقية. هذا الخيار لا يبدو عفوياً، بل يعكس رؤية سيلفانا للكوتور كامتداد لحياة المرأة اليومية، لا كقطعة فنية معزولة. حتى الإكسسوارات جاءت شبه غائبة، في قرار واعٍ بترك المجال للقصّة والقماش والحركة. غياب القبعات، التي شكّلت توقيعاً بصرياً لجورجيو أرماني لسنوات، كان من أكثر الإشارات دلالة على رغبة المصممة في تحديث اللغة دون قطع جذري مع الماضي.
ألوان وهمسات من الفخامة
لوحة الألوان لعبت دوراً أساسياً في ترسيخ هذا التوجّه. درجات اليشم، الأخضر السيلادوني، والوردي الخافت حضرت كخيار فكري بقدر ما هي جمالي، بألوان ترمز إلى الانسجام والسكينة. الزخرفة كانت محدودة ومضبوطة، محصورة في تطريزات دقيقة وكريستالات خفيفة، ما جعل الفخامة تظهر بهدوء، بعيداً عن اللمعان الصريح. حتى الللحظات الأكثر بريقاً، مثل الفساتين المزيّنة بالكريستال أو القطع المحاكة بالترتر، قُدّمت بروح سهلة، أُلبست فوق سراويل بالاتسو، في مزج ذكي بين الرسمي واليومي.
تحية أخيرة وبداية محسوبة
الذروة العاطفية للعرض جائت مع إطلالة العروس الختامية، التي صمّمها جورجيو أرماني بنفسه لآخر مجموعة له ولم تُعرض سابقاً. الفستان، بقصّته الطويلة وتطريزاته الدائرية، بدا كتحية صامتة للمؤسس، قُدّمت من دون دراما أو حنين مبالغ فيه. من وجهة نظرنا، المجموعة بشكل عام بدت حذرة وبعيدة عن المخاطرة، لكنها في سياق مرحلة انتقالية، بدت خطوة ذكية تؤسس لثقة طويلة الأمد. سيلفانا أرماني لم تسعى إلى إثبات ذاتها عبر القطيعة، بل عبر الاستمرارية المدروسة، مؤكدة أن قوة أرماني لطالما كانت في أناقته الهادئة، لا في الضجيج.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.