انطلق أسبوع نيويورك للموضة هذا الموسم بطاقة مختلفة، كأنه يعلن بداية فصل جديد في صناعة تبحث عن معناها وسط عالم مثقل بالأزمات. لم تكن العروض مجرّد استعراض للاتجاهات، بل مساحات فكرية كشفت عن مصممين يعودون إلى الجذور ليصوغوا منها رؤى معاصرة. من الحنين الشخصي إلى الإرث الثقافي، ومن الطابع المسرحي إلى إعادة تفكيك الكلاسيكيات، بدت المنصات وكأنها مختبرات تجديد حقيقية. المفاجأة لم تكن في الجرأة فقط، بل في العمق، إذ شعرنا بأن الإبداع لم يعد ترفاً، بل ضرورة. نيويورك هذا الموسم لم تكتفِ بعرض الأزياء، بل قدّمت بياناً واضحاً بأن الصناعة قادرة دائماً على النهوض من جديد.
عرض Michael Kors
احتفل المصمم Michael Kors بمرور خمس وأربعين عاماً على انطلاق مسيرته من خلال عرض خريف وشتاء 2026–2027، الذي قُدّم ضمن أسبوع الموضة في نيويورك داخل Metropolitan Opera House . المكان لم يكن مجرد خلفية فخمة، بل إطاراً درامياً ينسجم مع رؤية مصمم لطالما تعامل مع الأزياء كعرض مسرحي بقدر ما هي منتج قابل للارتداء.
المجموعة عكست مفارقة يكررها كورس عن نفسه: ثبات مع قابلية دائمة للتبدّل. الخياطة الكلاسيكية، إحدى ركائزه الأساسية، ظهرت أكثر ليونة وانسياباً. سترات الفلانيل الرمادية لم تعد جامدة، بل امتدّت منها تفاصيل مقصوصة تنساب بخفة، فيما تحوّلت السراويل إلى تنانير بذيول خلفية، لتبدّل قراءة القطعة بين الأمام والجانب من دون افتعال. اللعب على السطح كان ذكياً بالقدر نفسه. الريش والترتر انتقلا من فساتين السهرة إلى قمصان قطنية وبناطيل مطوية، ما عزز التوتر المحبب بين الفخامة واليومي. لم تبد هذه الإزاحات ساخرة، بل أقرب إلى تأكيد أن البذخ يمكن أن يكون جزءاً من خزانة المدينة.
الألوان والقطع الأساسية رسّخت الاستمرارية: المعاطف الكاميل، القمصان البيضاء، الفساتين السوداء السترات الحمراء والياقات العالية حضرت، لكن غالباً بصيغ معدّلة أو بطبقات خفيفة تحافظ على الحركة. القراءة المفاهيمية للعرض ارتبطت بصورة نيويورك نفسها: صلابة وأناقة وحيوية لا تهدأ. المخاطرة هنا محسوبة، تعيد تشكيل المفردات المألوفة بدقة، من دون قطيعة جذرية مع هوية الدار.
عرض Carolina Herrera
عادت Carolina Herrera إلى نيويورك في عرض خريف وشتاء 2026–2027 برؤية أكثر التصاقاً بإيقاع المدينة وتعدديتها. بعد عرض ربيعي مسرحي في مدريد، أعاد المدير الإبداعي Wes Gordon ضبط البوصلة نحو أنوثة حضرية سريعة الحركة. اختيار فنانات وصاحبات صالات عرض وشخصيات ثقافية للسير على المنصة، بدلاً من عارضات تقليديات، شكّل إشارة واضحة إلى أن الدار تسعى اليوم إلى مخاطبة نساء يصنعن المشهد الثقافي لا يكتفين بحضوره.
استحضرت المجموعة روح راعية الفنون Peggy Guggenheim من دون اقتباسات حرفية، بل عبر جرأة في التعبير وتبنّي القطع المنفصلة القابلة لإعادة التنسيق. نقوش الحيوان بدت جريئة لكن منضبطة، فيما ظهرت زهرة الكالا كأزرار وطبعات تضيف بُعداً حسياً إلى خياطة دقيقة. حتى رسمة الكعب العالي المستوحاة من عطر Good Girl جاءت بلسمة ثمانينية مرحة تكسر جدية القطع.
التحية إلى إرث الدار حضرت في السترات المحددة بأكتاف منتفخة، غير أن تنسيقها مع تنانير غير متماثلة أو جينز أسود أعادها إلى واقع يومي أكثر تحرراً. أزياء السهرة لم تغب، لكنها جاءت أخف وزناً: فساتين كوكتيل وقطع محاكة مرصعة بالترتر تُرتدى ككنزات، ما يطمس الحدود بين النهار والمساء. الأناقة هنا لم تعد احتفالية فقط، بل عملية، مرنة، وتتحرك بثقة ضمن مشهد نيويوركي لا يهدأ.
عرض Tory Burch
اختارت علامة Tory Burch أن تنطلق في عرض خريف وشتاء 2026–2027 من مرجعية شخصية جداً: سروال Curduroy مخملي قديم لوالدها. في موسم يطغى عليه القلق العام، بدا سؤالها عمّا يبقى صالحاً مع الزمن مدخلاً صادقاً لبناء مجموعة تنحاز إلى الاستمرارية لا إلى الضجيج. السروال تُرجم إلى تصاميم مخملية عريضة بخط مريح، نُسّقت مع كنزات بسيطة وقمصان بياقات مستديرة، في صورة خزانة يومية ترفع من شأن الراحة والطابع العملي للمرأة. لكن بساطة الفكرة لم تعني تقشفاً بصرياً. براعة بورش تجلّت في رفع قيمة القطع المألوفة عبر الخامة والتفاصيل. كارديغانات شتلاند زُيّنت بتطريز خيوط ذهبية أضفت بريقاً خافتاً على الصوف التقليدي، فيما جاءت المعاطف بأقمشة جاكار معدنية تمنح عمقاً ودفئاً بصرياً. كل قطعة بدت مصممة لتُلبس مراراً، وتكشف جمالها تدريجياً مع الاقتراب.
الإكسسوارات أضافت بعداً سردياً مرحاً، من دبابيس فضية على شكل سمكة إلى حقائب سلال تجمع بين الرافيا والجلد، في استحضار لذكريات شبابية. كما حضرت إشارات إلى ذوق باني ميلون عبر حقائب مبطنة وعُقدة Bunny المميزة، مع فساتين قميصية عملية وأخرى حريرية بحزام يحدد الورك. بعض التجارب، كفساتين الفلابر منخفضة الخصر، بدت أقل انسجاماً مع النبرة العامة، قبل أن تعيدها التريكو الشفافة الدقيقة إلى توازن معاصر هادئ.
عرض Christian Siriano
قدّم Christian Siriano مجموعته لخريف وشتاء 2026–2027 ضمن أسبوع الموضة في نيويورك كبيان صريح عن قوة الخيال في مواجهة الواقع. في موسم يتسم بالتوتر وعدم اليقين، اختار المصمم الهروب إلى أقصى درجات الدراما، رافضاً أي ميل إلى التقشف. لحظة الختام مع Coco Rocha بفستان على شكل فقاعة متدرج الألوان، بدا كلوحة سائلة تتحرك على المنصة، اختزلت هذا التوجّه المسرحي المكثف.
المجموعة أعادت تعريف أناقة السهرة عبر كسر قواعدها. الساتان الرسمي تحوّل إلى سترة موتو مشدودة بكورسيه، ترافقها سراويل مفصّلة، في دمج بين بريق السجادة الحمراء وحدّة الشارع. سترة توكسيدو غير متماثلة بكم واحد، مع تنورة مزينة بالريش، عززت هذا التوتر بين الرقي والتمرد.
الخامات لعبت دور البطولة. معطف يبدو كالفرو تبيّن أنه مصنوع من الريش، يمنح امتلاء بصرياً مع خفة لافتة. بوليرو دانتيل كثيف أضاف بُعداً نحتياً من دون أن يفقد القطعة توازنها. الأورغنزا حضرت بكثافة في سترات شفافة مدعمة وبفساتين تتقاطع فوقها طبقات شفافة ضخمة، ما منح العرض طابعاً أوبرالياً قد يلامس أحياناً حدود المبالغة. الترتر استُخدم كأداة بناء لا مجرد زينة، في صدريات فضية منحوتة تحافظ على صلابة الشكل. والأهم أن هذا العالم المسرحي قُدّم على أجساد متنوعة، مؤكداً التزام سيريانو بالشمولية من دون تخفيف جرعة الدراما أو التنازل عن رؤيته الجمالية.
عرض Ashlyn
بعد عام حافل بالجوائز والتكريمات، من بينها جائزة المصمّم الصاعد من مجلس مصمّمي الأزياء في أميركا وصندوق دعم المواهب، عادت المصممة أشلين بارك في خريف وشتاء 2026 بهدوء لافت وتركيز صارم. ابتعادها المؤقت عن الأضواء وإغلاقها للاستوديو شكّلا لحظة تأمل أعادت من خلالها صياغة علاقتها بالحرفة، مستندة إلى ازدواجية واضحة بين جذورها الكورية وتجربتها الأميركية.
هذه الازدواجية تجلّت في مجموعة تنطلق من مفهوم "المشترك" أو اليومي، لكنها ترتقي به إلى مستوى بصري وفكري متقدّم. افتتح العرض تباين لوني حاد بين الأسود والأبيض مع لمسة سترونية نابضة، فيما بدت الأقمشة وكأنها تتحرّك بخفة مدروسة حول الجسد. السترات الكشميرية ذات البناء المعماري، والتويد الحاد بتدرجاته الحمضية، أعادا تعريف الخصر بخطوط تلتف وتتمدّد في آن.
استمرت بارك في تفكيك البدلة الكلاسيكية، كاشفة الغرز كجزء من الزينة، وموازنة بين الصرامة والحسية. الخطوط الذكورية تلاقت مع منحنيات أنثوية، والقمصان البيضاء أعيد نحتها ثلاثي الأبعاد لتبرز الخصر وتنفتح عند الوركين. حتى القطعة الختامية من التفتا الحريرية جمعت بين التقشف الأمامي والانفتاح الخلفي الجريء.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.