بين الإرث وإعادة التعريف، حمل أسبوع لندن للموضة هذا الموسم سرديات متباينة جمعتها فكرة واحدة: العودة إلى الجوهر. أربعة عروض برزت بوصفها محطات مفصلية، سواء عبر انتقال إبداعي حساس، أو نضج أسلوبي مدروس، أو استحضار أسطورة منسية، أو استعادة موقع تاريخي بثقة هادئة. من الخياطة بوصفها بيان قوة، إلى الرومانسية القوطية، وصولاً إلى النحت الناعم في الأزياء اليومية، بدت المنصات مساحة لإعادة ضبط الهوية لا لاستعراض عابر.
أول عرض لعلامة Paul Costelloe بعد رحيل المصمم
شكّل عرض Paul Costelloe لخريف وشتاء 2026-2027 لحظة انتقالية بامتياز، ليس فقط على مستوى الإدارة الإبداعية، بل في إعادة ضبط هوية الدار نفسها. تسلّم William Costelloe القيادة من دون اندفاع نحو القطيعة، بل عبر تشديد البوصلة نحو ما تتقنه العلامة تاريخياً: الخياطة المحكمة بوصفها العمود الفقري لأي سرد بصري.
منذ الإطلالة الأولى، بدا التركيز واضحاً على البناء قبل الزخرفة. أقمشة الصوف والتويد الإيرلندية من Magee Fabrics لم تكن مجرد خيار جمالي، بل إعلان انتماء وحرفة. الأكتاف المحددة، القصّات المنحوتة، والدقة في التنفيذ أعادت التأكيد أن السلطة هنا تُصاغ بالإبرة والخيط، لا بالتفاصيل الزائدة.
حتى العناصر الزخرفية، كالورود المصنوعة يدوياً من الأقمشة نفسها، جاءت امتداداً للهيكل لا خروجاً عنه. في المقابل، أدخلت البلوزات الحريرية والأورغانزا، مع الياقات الضخمة والبناطيل الواسعة المطوية، حواراً ذكياً بين الصرامة والانسياب. التدرجات اللونية الترابية وصولاً إلى الأسود والفحمي عززت هذا الانضباط، قبل أن تضيف البدلات المرصعة وأزرار الديامانتي نفحة مسائية أكثر بريقاً.
التعاون الأخير بين Paul وWilliam Costelloe على طبعة داخلية خاصة منح العرض بعداً عاطفياً راقياً، فيما عكست مجوهرات PK Bijoux فلسفة إعادة قراءة الإرث بروح معاصرة. إنها بداية واثقة لمرحلة جديدة، تحترم الماضي وتبني عليه بوعي وحزم.
نضج هادئ في عرض Patrick McDowell
في عرض خريف وشتاء 2026، أكد Patrick McDowell أن الفخامة الحقيقية تبدأ من العلاقة. قطع الشوكولاتة الموضوعة على المقاعد ليست تفصيلاً عابراً، بل امتداد لفلسفة دار تبني هويتها على القرب والصدق، تماماً كما تفعل عبر رسائلها اليدوية. هذه الحميمية انعكست على المجموعة التي حافظت على رسميتها الصارمة، لكنها تخلّت عن بعض الدراما لمصلحة نضج محسوب.
المرأة التي يخاطبها McDowell لا تبحث عن شعار يثبت مكانتها، بل عن تميّز في القصّة والبناء. التنانير الواسعة، الخصور المشدودة، والفساتين الحريرية المنسدلة حضرت بقوة، مع اعتماد أقمشة مستصلحة من حرير وفيسكوز قديم، في مقاربة تجمع بين الاستدامة وعمق الملمس. الجديد هذا الموسم كان في تهدئة الإيقاع: خصر منخفض قليلاً، زخارف أقل، وصور ظلية بدت أكثر ثقة وأقل تكلّفاً.
استلهام المصوّر George Platt Lynes أضفى بعداً بصرياً واضحاً، خصوصاً في الجمبسوت الصوفي بلون البرقوق الذي افتتح العرض، جامعاً بين العملية والأناقة. أما لوحة الألوان المنضبطة بين الأسود والأبيض والوردي الخافت والبرقوقي العميق، فكرّست تركيزاً على القصّة لا على الاستعراض. النتيجة مجموعة أكثر مرونة تجارياً من دون التفريط بالهوية. إنه تطوّر مدروس يؤكد أن Patrick McDowell يوازن بذكاء بين الحس الفني ومتطلبات السوق، في خطوة تعكس ثقة مصمم يعرف تماماً إلى أين يتجه.
شبح الحكاية في عرض Bora Aksu
في موسم خريف وشتاء 2026، اختار Bora Aksu أن يستحضر شخصية من الهامش، لا من كتب التاريخ بل من الفولكلور البريطاني. حكاية سوكي، النادلة التي تحوّلت إلى شبح في روايات قرية إنكليزية، منحت المصمم مساحة تخيّل حرّة بعيداً عن قيود الأرشيف. غياب الصورة سمح له ببناء بطلة من طبقتين: امرأة من لحم ودم، ثم طيف يرفض الزوال.
في الفصل الأول، بدت سوكي واقعية وصلبة. بدلات قصيرة مرصعة بالكريستال أعادت تفسير الأزياء الشعبية بجرأة معاصرة، فيما مزجت تصاميم الصوف المقلم بين التنورة والسروال في توازن بين العملية والهشاشة. سترات مخملية مبطنة بأربطة، وجاكيتات ذات نفحة عسكرية، أضفت صرامة على رومانسية الدار المعتادة، وكأن المصمم يدرّع بطلته قبل سقوطها.
الفصل الثاني انزلق نحو القوطية الشاعرية. طبقات الدانتيل الشفافة فوق البوكليه المنظم، وفساتين منقطة مغطاة بحجاب خفيف، خلقت إحساساً بيد خفية تحوم حول الجسد. زهور الكروشيه الحمراء على الأسود بدت جرحاً مفتوحاً، فيما تكدست أزهار الأوركيد على فساتين عاجية أقرب إلى أثر جنائزي منها إلى فستان عروس. لقد نجح Bora Aksu في موازنة المسرحة بالحرفية، معززاً ثنائية الجسد والذاكرة عبر تباين القوامات. مجموعة تؤكد أن الأسطورة يمكن أن تتحول إلى لغة تصميم ناضجة، حين تُروى بخيط وإبرة لا بمجرد سرد.
عودة محسوبة إلى الضوء لعلامة Joseph
في العشرين من فبراير، عادت علامة Joseph إلى منصة العرض بعد غياب يقارب العقد، في خطوة بدت أقل استعراضاً وأكثر ثقة. الدار اللندنية التي أسسها Joseph Ettedgui، والمعروفة بأناقتها الذكية والعملية، تدخل اليوم مرحلة جديدة بقيادة إبداعية من Mario Arena، بعد سنوات من إعادة الهيكلة التي أعادت لها الاستقرار والربحية. مجموعة خريف وشتاء 2026 حملت مقاربة نحتية واضحة، لكن من دون صرامة مبالغ فيها. الفستان الكاب المزموم عند الخصر، وبدلة الكشمير المزينة بعناصر معدنية مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد، قدّما بياناً بصرياً مباشراً عن فكرة البعد والكتلة. غير أن المزاج العام مال إلى الانسيابية: بدلات ساتان واسعة بخطوط طويلة، تنانير دنيم ماكسي عملية، وحرير رمادي ولاميه ذهبي خفّ بريقهما عبر تنسيق هادئ مع كنزات ملاصقة للجسم.
عندما ركّز Arena على النسب الدقيقة وجودة الخامة، بدا العرض أكثر تماسكاً، كما في بدلات الكولوت من الكشمير مع بوتات جلدية عالية. في المقابل، بدت بعض القطع الشفافة أقل ارتباطاً بفكرة النحت الناعم التي أراد ترسيخها. الأهم أن Joseph لا تسعى إلى انقلاب جذري، بل إلى استعادة موقعها الطبيعي: أساسيات راقية مصاغة بدقة. إنها عودة مدروسة تؤكد أن قوة الدار تكمن في البناء المتقن لا في الضجيج.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.