في كل موسم، يثبت أسبوع ميلانو للموضة أنه أكثر من مجرد منصّة لعرض الاتجاهات؛ إنه مرآة لتحوّلات الذوق والهوية وأسلوب العيش. بين عودة الثمانينيات، وإعادة تفكيك الكلاسيكيات، واستحضار الحرفة بوصفها قيمة معاصرة، قدّم هذا الموسم قراءات متباينة لما يمكن أن تكون عليه خزانة اليوم. من الخياطة الصارمة إلى الرومانسية الداكنة، اخترنا ستة عروض لفتت انتباهنا، لا لأنها صاخبة، بل لأنها قالت شيئاً واضحاً عن اللحظة الراهنة.
خياطة الثمانينيات بجرأة معاصرة في عرض Boss
أعادت علامة Boss قراءة أرشيفه من خلال مجموعة خريف وشتاء 2026 بإشراف الإبداعي Marco Falcioni، الذي اختار أن يمنح الخياطة معنى يتجاوز مفهوم الزيّ الموحد. النتيجة كانت استعادة أنيقة لروح الثمانينيات، مع لسمات داندية واضحة، تُخاطب رجال ونساء الصفوف التنفيذية لكن بشخصية أكثر تحرراً.
استلهم فالتشيوني فكرته من كتيّبات البيع القديمة للدار، حيث كانت الإطلالات تُنسّق كاقتراحات متكاملة. هذا الحس التنسيقي انعكس على المنصة عبر بدلات بكتفين عريضين قليلاً، خصور محددة، وياقات عالية الإغلاق تستحضر أواخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات. للمرأة، بليزرات طويلة مع سراويل مرتفعة الحاشية تطيل القامة، وللرجل بدلات منفصلة تُنسّق بطبقات تضيف حجماً مدروساً.
أعاد المصمم الجيوب المزدوجة ذات الغطاء على السترات المزدوجة الأزرار، مع انحناءة خلفية تبرز تفاصيل الجسد. الجلد حضر عبر بلوزونات وأنوراك فوق قميص وربطة عنق، في كسر متعمد لصرامة المكتب. خامات فاخرة مثل الألباكا الممشّط والكشمير وحتى جلد النعامة منحت القطع عمقاً ملمسياً، فيما لعبت الإكسسوارات دور البطولة: مناديل جيب، أوشحة حريرية، وربطات عنق تحولت إلى بروشات زهرية.
العرض اتخذ طابعاً أكثر حميمية، رغم حضور David Beckham ونجم الكيبوب S.Coups في الصفوف الأمامية. وعلى وقع أغنية I'm in Love With a German Film Star لفرقة The Passions، بدت رؤية فالتشيوني احتفالاً بارتباك جميل يعيد تعريف أناقة بوس بين الرسمي واليومي.
العادي يصبح غريباً في عرض MM6 Maison Margiela
في قلب ميلانو، وتحديداً داخل محطة القطار المركزية، اختارت علامة MM6 Maison Margiela أن تعرض مجموعتها لخريف وشتاء 2026 ضمن فعاليات أسبوع ميلانو للموضة، في مساحة يومية صاخبة لا تعترف بالبهرجة. بين درجات الرخام وإضاءة الفلوريسنت الباردة، بدا العرض كأنه امتداد طبيعي لنبض الشارع، حيث يتقاطع المارّة مع محرري الموضة في مشهد يختصر هوية الدار الأكثر التصاقاً بالحياة اليومية ضمن إرث Martin Margiela.
المجموعة انطلقت من فكرة "النموذج"، ملابس اعتيادية تشكّل الزي اليومي، ثم يعاد تفكيكها بهدوء. أطراف المعاطف رُفعت وثُبّتت كما لو أنها تستبق اتساخ المدينة، والتنورة القلم كشفت عن بنية أقرب إلى مئزر خلفي فوق تيشيرت طويل، في إعادة تعريف لمفهوم الاحتشام بوصفه بناءً لا قيداً. حتى القمصان حملت آثار درزات كأنها أشباح تفاصيل سابقة، قطع تبدو عالقة في منتصف التحوّل.
الدنيم كان العمود الفقري للسرد. سراويل رجالية بخصر مزدوج تُرك أعلاه غير مكتمل، وأخرى نسائية عالية الخصر تستحضر إيقاع الثمانينيات. تلك الحقبة حضرت أيضاً في التنانير الواسعة ذات الحواف المكشكشة، منسّقة مع قمصان الفلانيل وكنزات الموهير. سترات رياضية ملوّنة ومعاطف أنوراك أضافت بعداً عملياً، فيما قدّمت الطبقات المكتبية قراءة جديدة للزي الرسمي، أقل امتثالاً وأكثر التباساً. الاستثناء الوحيد تمثّل في الأحذية ذات الكعب العالي جداً، التي بدت منفصلة عن واقعية الطرح، في مدينة باتت تمنح الأولوية للحركة والمرونة.
عرض Genny: أناقة نيوكلاسيكية بروح المدينة
قدّمت علامة Genny مجموعتها لخريف وشتاء 2026-2027 برؤية تمزج بين رهافة القرن الثامن عشر وسرعة الإيقاع الحضري المعاصر. المديرة الإبداعية Sara Cavazza Facchini استهلّت العرض بمقطوعات كلاسيكية تخللتها نبضات إلكترونية، في استعارة صوتية لحوار بين الماضي والحاضر، قبل أن تُختتم اللوحات على أنغام The Most Beautiful Girl in the World لـ Prince، تكريساً لفكرة تتمحور حول إحساس المرأة بذاتها وثقتها.
استوحت فاكيني انطلاقتها من معرض "أسلوب ماري أنطوانيت" في Victoria and Albert Museum، لكن من دون الوقوع في فخ النوستالجيا. الزخرفة لم تُستحضر كترف بصري، بل أُعيدت صياغتها كبنية. قصّات مستلهمة من الـ"بيبلوس" انسابت بأحجام مدروسة، فيما تحوّلت الكشاكش إلى خطوط تحدد الأكتاف والياقات. حتى العقد لم تبقَ مجرد زينة، بل صارت عُقَداً هندسية، أحياناً مرصّعة، تثبّت السترات وتعيد رسم الخصر. التباين كان محور السرد: تنانير طويلة تنساب مقابل بدلات مفصّلة بلمسة داندية خفيفية. نقشة الفهد أعادت إحياء فستان أرشيفي ارتدته Yasmeen Ghauri في التسعينيات، ليس كحنين بل كموقف يعيد تعريف القوة بأناقة. الأقمشة من الجورجيت إلى المخمل الحريري والموهير البوكليه نسجت مشهداً ملمسياً غنياً، بألوان حيادية اخترقتها ومضات فوشيا وأخضر داكن، لتأكيد توازن دقيق بين الاحتفال والواقعية.
خزانة كاملة تعبر من ميلانو إلى العالم في عرض Emporio Armani
قدّمت علامة Emporio Armani مجموعتها لخريف وشتاء 2026-2027 ضمن فعاليات Milano Fashion Week برؤية بانورامية تعكس خزانة يومية متكاملة، صُممت هذه المرة بإشراف Silvana Armani وLeo Dell'Orco، في خطوة تؤكد استمرارية إرث Giorgio Armani من دون قطيعة.
العرض كان مشهداً حيوياً، العارضون يسيرون ثنائياً بخفة، يجسدون أنماطاً متعددة: من الطالب الأكاديمي إلى الأرستقراطي الريفي، ومن الهيبستر إلى الشاب الكلاسيكي. الرسالة لم تكن أطروحة ضيقة، بل اتساعاً مقصوداً يبرز تنوع عالم إمبوريو. المعاطف تصدّرت المشهد. من البليزرات الناعمة إلى جاكيتات الطيران المبطنة بالشيرلينغ، مروراً بالترنش والمعاطف الطويلة وأسلوب الروب، بدت المجموعة مصممة لمناخات حقيقية ومناسبات مختلفة. في القسم الرجالي، حضرت الشيفرون والتويد ونقشات الكارو وقدم الإوزة، بصياغة إيطالية أكثر انسيابية. بدلات واسعة مع سلاسل جيوب، سترات دينيم بياقات متباينة، ومعاطف كحلية فوق كنزات بياقة V أعادت تعريف الكلاسيكية البريطانية بمرونة معاصرة. أما للمرأة، فدخلت لمسة سبعينية ناعمة عبر تنانير قصيرة كاروهات وجاكيتات مطابقة، إلى جانب معاطف أميرية طويلة وبدلات صوفية بدرجات التوب والغريج الأيقونية. لم يكن العرض بحثاً عن صدمة بصرية، بل تأكيداً على قوة التعدد حين يُصاغ بلغة متماسكة، حيث تلتقي الأقمشة البريطانية بالسيولة الإيطالية في خزانة تعمل على مدار الساعة.
فخامة داكنة تتحرك على إيقاع الجسد في عرض Roberto Cavalli
قدّمت دار Roberto Cavalli مجموعتها لخريف وشتاء 2026-2027 بإدارة إبداعية من Fausto Puglisi، في عرض جمع بين حداثة الرقص التعبيري وإرث أرستقراطي مسرحي. استلهم بوغليزي رؤيته من أسطورتي Alvin Ailey وLuisa Casati، فمزج الانضباط الجسدي بالغموض الليلي، ليولد ما يمكن وصفه بفخامة مشدودة الأعصاب. الإطلالة الافتتاحية لخّصت هذا التحوّل: بدلة جلدية سوداء بقصّة شبه صبيانية، تحتها صديريّة براقة تومض تحت الأضواء. التوازن بين الاحتشام والكشف بدا محسوباً، كأن الدار تعيد صياغة غوايتها التاريخية بخطوط أكثر نظافة وحركية. تنورة توتو بقصّة A-line استُكملت بحذاء مسطّح مدبّب، في إشارة واضحة إلى أن الجسد هنا خُلق ليتحرك لا ليقف ثابتاً على كعب شاهق.
فستان كوكتيل أقرب إلى مايوه راقص أعاد تعريف الجرأة كقوة، مستحضراً صدى فستان الانتقام للأميرة Princess Diana ولكن بروح معاصرة. الأسود هيمن على المشهد، جلد وحرير وشيفون تعكس الضوء كما في لوحات كارافاجيو. نقشة الثعلب الفضي طُبعت فوتوغرافياً على الشيفون، فبدت مرة حضرية ناعمة ومرة أخرى برية متفلّتة.
اللون حضر على استحياء، في تطريزات زهرية نارية فوق فساتين سوداء أو جينز بكسرات واسعة، قبل أن يعود كل شيء إلى العتمة. بين خفة ورغبة في الهروب، وحزن مكتوم يفرضه الواقع، صاغ بوغليزي امرأة كافالي جديدة: ثابتة على الأرض، متصالحة مع ظلّها، وتلمع حين تقرر ذلك.
خفة الجلد وأناقة الحرفة في عرض Tod’s
قدمت علامةTod's مجموعته لخريف وشتاء 2026 بإدارة إبداعية من Matteo Tamburini، مؤكداً أن الجلد يمكن أن يكون خفيفاً بقدر ما هو فخم. رغم أن هذه المادة تشكّل العمود الفقري لإرث الدار، إلا أن تامبوريني تعامل معها هذا الموسم بحسّ أقرب إلى القماش، فبدت الفساتين والتنانير المستوحاة من الفولار وكأنها تنسدل بخفة حرير أو قطن، مع أنها منفذة بتقنية باتشوورك جلدية دقيقة.
المجموعة انطلقت من بحث معمّق في الخامات، لم يقتصر على الجلد، بل شمل الكشمير والشيرلينغ والصوف. المعاطف الصوفية جاءت واسعة وملتفة حول الجسد كأنها بطانية تُلقى بعفوية على الكتفين، مانحة إحساساً بالاحتواء والدفء. أما الشيرلينغ فحضر بملمس غني من دون أن يثقل الإطلالة، في توازن مدروس بين العملية والرقي. الحرفية لم تكن مجرد خلفية، بل جزءاً من السرد البصري. عند مدخل العرض، اصطف حرفيون اختارتهم الدار ليعملوا مباشرة أمام الحضور، من طيّ المراوح بدقة إلى نحت المرجان، في إشارة واضحة إلى أن تودز لا ترى في الجلد مجرد مادة، بل ثقافة متكاملة من المهارة والوقت والصبر. رؤية تامبوريني بدت هادئة لكنها واثقة؛ جلد يُعامل كنسيج، ومعاطف تحتضن الجسد، وحرفة تُعرض بفخر. إنها مقاربة تعيد تعريف الفخامة بعيداً عن الاستعراض، وتقرّبها أكثر من الحياة اليومية.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.