في كل موسم من أسبوع الموضة في ميلانو، تثبت الدور الكبرى أن التجديد ليس ترفاً، بل ضرورة إبداعية تُبقي النبض حيّاً داخل صناعة لا تعترف بالثبات. ما يلفتنا ليس فقط تبدّل الصيحات، بل قدرة هذه البيوت على إعادة قراءة أرشيفها، وتحوير رموزها، وصياغتها بلغة معاصرة تعكس حيوية اللحظة. بين الجرأة المحسوبة والعودة الواعية إلى الجذور، تتقدّم هذه العلامات بخطى واثقة، مقدّمة رؤى متجددة تعكس شغفاً لا يخفت بالتجريب. في هذا التقرير، نسلّط الضوء على خمسة عروض أكدت أن الابتكار الحقيقي يولد من فهم عميق للهوية، لا من القطيعة معها.
ولتشي أند غابانا… أربعون عاماً من الدقة كخيار إبداعي
في لحظة تعيد فيها دور الأزياء العريقة ترتيب أوراقها الإبداعية، اختارت دار Dolce & Gabbana أن ترسّخ ثوابتها بدل البحث عن قطيعة. دومينيكو دولتشي وستيفانو غابانا، اللذان يحتفلان بأربعة عقود من العمل المشترك، قدّما عرض خريف وشتاء 2026 بوصفه تمريناً على التكثيف لا الاستعادة.
الافتتتاحية الأحادية اللون، المستندة إلى صور أرشيفية، لم تكن حنيناً بقدر ما كانت تأكيداً على مفهوم الهوية في صناعة سريعة النسيان. الرسالة واضحة: الاستمرارية تحتاج إلى مؤلف. وفي موسم يفيض بإعادة التموضع، راهن الثنائي على تعميق الشيفرات التي صنعت اسمهما.
التحوّل الأبرز تمثّل في العودة إلى دقة الخياطة الصقلية التي ميّزت البدايات. سترة الساعة الرملية عادت بطلة للمشهد، بخصر مشدود بانضباط معماري. غير أن المفاجأة كانت في الظهر، ياقة مكرّرة، صف أزرار معكوس، وبنية تمتد على طول العمود الفقري. الخياطة هنا تُشاهَد من كل الزوايا، لذلك توقفت العارضات في منتصف المنصة ليدُرن ببطىء، في تحويل للحرفة إلى أداء. وقد لعبت النسب دوراً استراتيجياً. سترات مزدوجة الصدر بقصّات رجالية كاشفة عن ومضات دانتيل تحتها، في حوار محسوب بين الصرامة والإغراء. الأسود هيمن تقريباً بالكامل، لا كاتجاه موسمي بل كخيار تقشّفي يسلّط الضوء على القصّة قبل الزخرفة. ولاحقاً، كسرت فساتين بطبعات ميكرو رتابة اللون الواحد، مستحضرة لغة تصوير سبعينيات القرن الماضي حيث تتبدّل ديناميكيات النظرة بين الرائي والمرئي. المرأة هنا ذات فاعلية، لا موضوعاً للعرض.
في الصف الأمامي، جلست Madonna، الحليفة التاريخية للدار منذ التسعينيات، كرمز مكثّف لفكرة الاستمرارية داخل الهوية نفسها. حضورها عزّز أطروحة العرض بصمت، مؤكداً أن إعادة تعريف الذات يمكن أن تتم من الداخل، لا عبر القفز إلى خارجها.
ديمنا يفتتح فصلاً جديداً في Gucci
في قصر بالاتسو ديلي سكينتيلي، وسط نسخ رخامية لتماثيل رومانية مضاءة بهيبة مسرحية، قدّم ديمنا عرضه الأول لدار Gucci بوصفه بياناً مؤسساتياً بامتياز. بعد نحو عام على تعيينه، اختار أن يضع الدار داخل فضاء أقرب إلى المتحف منه إلى منصة عرض تقليدية، في إشارة واضحة إلى طموح ثقافي يتجاوز حدود الموضة.
السينوغرافيا استحضرت فلورنسا، وقرب متحف غوتشي من أوفيزي، وظلال ميكيلانجلو وبوتيتشيلي، لتؤكد أن الدار ترى نفسها أثراً حياً لا مجرد علامة تجارية. لكن المفارقة أن الملابس نفسها رفضت هذا الثقل الرمزي. بعيداً عن التفكيك المفاهيمي الذي طبع سنوات ديمنا في Balenciaga، جاء الطرح مباشراً وحسّياً: قصمان ضيقة تبرز الجسد، جينز منخفض الخصر، فساتين أنبوبية تلتصق بالبشرة بواقعية يومية أقرب إلى النادي الرياضي منها إلى الصالون الأرستقراطي.
الرسالة تعزّزت عبر اختيار الوجوه. مغنّي الراب فاكمينك توقّف ليتفقد هاتفه من حقيبة بحزام غوتشي، لاعب كرة القدم غافين فايس ظهر ببولو ضاغط يبرز بنيته، وشخصيات رقمية عابرة بين الواقع والمنصات. هنا، غوتشي لا تُلبس فحسب، بل تُبثّ.
شبح التسعينيات خيّم بوضوح، مع استحضار ذروة توم فورد، لكن بإيقاع أسرع. كعوب شاهقة، فساتين مشغولة بفتحات جريئة، وبيجامات مرصّعة للرجال تُرتدى حافية القدمين. وجود Alessandro Michele في الصف الأمامي، إلى جانب Donatella Versace، بدا كجسر بين حقبتين، اعترافاً بالسلالة من دون استنساخها.
في المقابل، أعادت البدلات المصقولة والمعاطف المبطنة بالفرو المصقول بعض الانضباط، فيما ظهرت حقيبة جاكي بنسخة جلدية أكثر ليونة وأقل رسمية. تحت عنوان “Gucci Primavera”، بدت المجموعة أقرب إلى فعل انطلاق منها إلى موسم عابر؛ إعادة ضبط تستهدف الإحساس الفوري بالعلامة، لا تأملها من مسافة.
عرض Prada يحتفي بأناقة الطبقات
قدّمت Prada مجموعة بعنوان “A Lesson in Layers”، لكن ما جرى على المنصة كان أبعد من درس منظم. العرض عكس عالماً مرتبكاً، حيث الاستقرار وهم مؤقت، والملابس أداة تكيّف لا بياناً نهائياً.
خمس عشر عارضة اندفعن عبر مساحة شاسعة مفروشة بالسجاد، يعدن ثلاثة مرات بإطلالات معدّلة. طبقات تُضاف، تُنزع، ثم يُعاد ترتيبها. تنورة واسعة تكشف عن فستان بروح الخمسينيات، وبدلة سوداء صارمة تخفي تحتها سروالاً قطنيّاً وسترة رمادية. التكرار لم يكن استعراضاً، بل تفكيكاً حيّاً يجبر العين على مراجعة انطباعها الأول، والتعامل مع القطعة كعملية مستمرة.
الخامات انحازت إلى فكرة التآكل. صوف أسود بدا متآكلاً، درزات معاطف ترنش مجعّدة كُشفت بطاناتها المربّعة، قمصان مجعّدة بأكمام فرنسية مبالغ فيها. الحواف مهترئة، وبعض القطع بدت كما لو أنها خرجت من خزانة مهجورة. الفوضى هنا جمالية مقصودة، لا خطأ تصنيع. في المقابل، حضرت الفخامة بوضوح: حقائب صغيرة من جلد تمساح لامع، وأحذية طويلة مزدانة بالخرز أو مغطاة بالريش بالكامل. هذا التناقض بين المتقشف والمترف خلق توتراً محسوباً داخل كل إطلالة.
الديكور عزّز الفكرة: هيكل قصر فارغ بجدران تحمل آثار زمن آخر، تتداخل فيه لوحات وأثاث من خمسة قرون. طبقات ثقافية فوق أخرى، بلا تراتبية واضحة بين البساطة والبذخ، بين الهدم والصقل. خلف الكواليس، وُصف العرض كتأمل في "الضرورة المستمرة للتغيير". الملابس بدت استعارة لامرأة تعيش تحوّلاً دائماً، تضيف وتطرح بحسب الظرف. غير أن سرعة الإيقاع وكثافة التفاصيل جعلت التجربة بصرية حدّ التخمة أحياناً، بين تحرّر مشوّق وفائض مربك.
أناقة تنفض غبار العصور المظلمة في عرض Max Mara
في مجموعة حملت عنوان Shedding Light — and Chic — on Dark Ages، خرجت علامة Max Mara من عباءة “الترف الهادئ” إلى مساحة أكثر عمقاً تاريخياً. تحت إدارة إيان غريفيثس، عادت الدار إلى البحث في الجذور، مستلهمةً من العصور الوسطى مفاهيم الصلابة والقدرة على الاستمرار، لا كحنين بصري بل كخيار فكري.
خلف الكواليس، استحضر غريفيثس شخصية Matilde di Canossa، الحاكمة الإيطالية التي شكّلت رمزاً للقوة الثقافية في القرن الحادي عشر. هذا المرجع لم يكن زخرفياً، بل انعكس في وضوح البنية وثقل الخامات. المعاطف أشبه بعباءات رهبانية تنساب بصرامة على الجسد، وتونيكات مقتضبة بخطوط تقشفية. أحذية طويلة من السويد مزوّدة بصفوف مسامير معدنية أوحت بالدروع من دون أن تنزلق إلى التنكّر المسرحي.
الخامة أدّت دور السرد. شيرلينغ كثيف، وصوف متين، وجلد سويد مصقول بدرجات ترابية دافئة، وكأن القطع خُلقت لتشيخ بكرامة. الفكرة توازي بين القطع الأثرية المتآكلة وجمال الباتينا، وبين فلسفة الدار القائمة على الاستدامة البصرية والعملية. الأحجام بقيت محتضِنة، تمنح إحساساً بالحماية والسلطة. الأكتاف المستديرة في بوليرو الشيرلينغ والفساتين المحبوكة لمّحت إلى ثمانينيات القوة، وهو عقد حاضر بقوة هذا الموسم في ميلانو. الإشارة الزمنية لم تتوقف هنا: عام 1081 ارتبط بمحطة مفصلية في حياة ماتيلدي، فيما شهد 1981 إطلاق معطف 101801 الشهير من تصميم Anne-Marie Beretta، أيقونة الدار المزدوجة الصدر بأكمام الكيمونو، التي لا تزال معياراً للأناقة العملية.
من دون شعارات مباشرة، حمل العرض تلميحاً إلى زمن معاصر مضطرب. استعادة العصور الوسطى، التي كثيراً ما وُصفت بالظلام، بدت محاولة لإعادة تعريف القوة بعيداً عن الضجيج، عبر ملابس تراهن على البقاء لا اللحظة.
كثير من التجديد في عرض Bottega Veneta
في قلب ميلانو التاريخي، داخل مقر الدار في قصر سان فيديلي، قدّمت لويز تروتر عرضها الثاني لدار Bottega Veneta، في خطوة بدت أقرب إلى بيان مكاني منها إلى مجرد تغيير عنوان. بعد انطلاقة أولى على أطراف المدينة، جاء هذا الانتقال إلى المركز، بين لا سكالا والدوومو، كتأكيد على رغبة المصمممة البريطانية في ترسيخ حوارها مع ميلانو التي تبنّتها خلال العام الماضي.
المجموعة بُنيت على ثنائية واضحة: صرامة بروتالية تخفي حسية داخلية. هذا التوتر انعكس أولاً في الخياطة، أكتاف مستديرة أكثر ليونة مقارنة بالعرض السابق، وأحجام منحوتة لا حادة. سراويل واسعة وتنورات ملتفة عُلّقت بأحزمة جلدية عريضة، في استعارة مباشرة من هندسة الحقائب التي تشكّل جوهر هوية الدار. في أزياء الرجال، تكرّست الخطوط المنحنية ذاتها، بينما أضافت طبقات البولو والكنزات القصيرة المضلعّة نفَساً عملياً خفّف من رسمية المشهد.
مع تقدّم العرض، تحوّلت الخامة إلى بطل أساسي. معطف البحّارة تحوّل إلى مختبر تجارب: جلد تمساح مطفأ، جلد منسوج بتقنية الإنتريتشياتو يتدلى بشراريب، ومخمل كثيف محفور ليحاكي الأستراخان. تروتر لعبت على الإيهام البصري، فقلّدت الفرو والجلود النادرة من دون استنساخها حرفياً، محافظة على مركزية الجلد في هوية الدار. حتى القصّات الضخمة التي غلّفت الجسد بدت خفيفة في حركتها، بفضل هندسة داخلية دقيقة.
الإكسسوارات حضرت بقوة، من قبعات الصوف إلى التصاميم المزدانة بشراريب مسرحية، فيما رسّخت الفساتين والتونيكات الطويلة، مع الأرجل العارية أو الليغينغ السميك، لعبة الحماية والكشف. وفي قلب هذا الثراء المادي، برزت تنورة سوداء وبيضاء غير متناظرة بشراريب ملتفة حول الساق، منسّقة مع توب محبوك بسيط، كأكثر لحظات العرض نقاءً وتكثيفاً للفكرة.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.