قراءة في أبرز عروض اليوم الثالث لأسبوع باريس للموضة | Gheir

قراءة في أبرز عروض اليوم الثالث لأسبوع باريس للموضة

اسابيع الموضة  Mar 05, 2026     
×

قراءة في أبرز عروض اليوم الثالث لأسبوع باريس للموضة


شهد اليوم الثالث من أسبوع باريس للموضة، عدداً لافتاً من عروض الأزياء القوية والعروض التي انتظرناها جميعاً، وابرزها عرض Balmain الأول من تصميم المدير الإبداعي الجديد للدار. وفي هذا التقرير، نقوم بجولة على أبرز تفاصيل هذه العروض وما قدمته من ابتكارات بعضها جديد، وبعضها الآخر شكّل إعادة إحياء لأنماط وصيحات مرّ عليها الزمن.

التسعينيات بعيون Tom Ford

في موسم بدت فيه التسعينيات حاضرة بقوة على منصات العرض، جاء عرض Tom Ford في باريس ليؤكد أن هذه العودة ليست مجرد نزعة عابرة. فبعد إشارات واضحة إلى أسلوب كارولين بيسيت كينيدي في نيويورك، واستعادة Gucci لحقبة توم فورد، حملت مجموعة Tom Ford الجديدة توقيع هايدر أكرمان بوصفها رحلة مباشرة إلى تلك السنوات، مع لمسات معاصرة تجمع بين أناقة رجال الأعمال وبريق الحياة المترفة.
بدلاً من منصة تقليدية، تحرك العارضون داخل فضاء أبيض شبه فارغ، يتجولون ويتبادلون النظرات كما لو كانوا جزءاً من فيديو موسيقي أنيق. هذا الإخراج البسيط سمح للملابس بأن تتتكلم بوضوح. التنانير والفساتين الجلدية اللامعة عادت لتستحضر جرأة التسعينيات، بينما أضفت الدانتيلات والكنزات متعددة الطبقات إحساساً بالحميمية والترف الهادئ.
الشفافية كانت إحدى أبرز أدوات أكرمان التعبيرية. قمصان شبه شفافة، سترات ومعاطف مطر شفافة بالكامل، وتنانير تسمح بمرور الضوء، كلها قدمت بإيقاع بارد يذكّر بجمالية أفلام نهاية القرن العشرين. حتى قبعة المطر الشفافة، قطعة نادراً ما تظهر على منصات الأزياء، بدت وكأنها جزء من هذا المزاج السينمائي المصقول. وفي تحية واضحة لإرث الدار، أعاد المصمم تقديم السراويل منخفضة الخصر التي اشتهر بها توم فورد، مع حزام جلدي رفيع يبرز الخط الحاد للخصر. كما ظهرت البدلات المخططة بأسلوب أندروجيني على عارضين من مختلف الأجناس، لكنها جاءت مرصعة بلمعان خفيف يكسر صرامة الطابع الكلاسيكي.
أما لوحة الألوان فحملت بصمة أكرمان الواضحة، حيث أضاءت درجات اليشم والقرمزي والباذنجاني سلسلة من الإطلالات التي سيطرت عليها الأسود والأبيض والرمادي. حتى المكياج لعب دوره في صياغة المزاج العام، مع أحمر شفاه مطفي بألوان غير مألوفة شكّل تبايناً قوياً مع البشرة النظيفة.

الخيول والسلطة في عرض Stella McCartney

في فضاء حلبة الفروسية بباريس، لم يكن عرض Stella McCartney لخريف وشتاء 2026-2027 مجرد استعراض أزياء عادي. كان مشهداً سينمائياً بامتياز: اثنا عشرة حصاناً نصفها أبيض ونصفها أسود يركض في تشكيلات منسقة تحت إضاءة خافتة. لكن هذا المشهد السُريالي لم يكن للجمال فقط، بل حمل بصمة المخرجة الإبداعية: عام الحصان كاستعارة عن التعاون مع الطبيعة بدلاً من استغلالها.
أكثر من ربع قرن مر على تأسيس الدار، وما زالت مكارتني وفية لمبدأها الأخلاقي. هذه المرة، لم تكن الاستدامة مجرد بيان نوايا، بل إحصائيات قاسية: 93% من المواد معتمدة كمستدامة، دينيم معاد تدويره بالكامل، ترتر بلاستيكي وكريستال خال من الرصاص. الرفاهية هنا لم تعد تتعارض مع المسؤولية، بل تدمجها في نسيجها الصناعي.
أما المجموعة نفسها، فكانت سيرة ذاتية من القماش. استعادت مكارتني سنوات تدريبها في باريس خلال الثمانينيات مع لاكروا وسان لوران، فجائت القصّات واضحة: خصور نحيلة، أكتاف جريئة، وعودة إلى هيكلة السلطة. لكن العودة إلى "باور دريسينغ" لم تكن تقليداً أعمى، بل إعادة ضبط للمفاهيم. معطف صوفي واسع بحزام خلفي مبالغ فيه ارتبط بجزمات طويلة حتى الفخذ، موازناً بين السلطة والإغراء. الجاكيتات بياقة شال انفتحت على تنورات كارجو، مازجة بين الوظيفي والأنيق.

اللافت في المجموعة هو هذا التفاوض المستمر بين الذكوري والأنثوي. الفساتين عالية العنق وطويلة الأكمام قدمت أنوثة مضبوطة، بينما حضرت قمصان البولو والجاكيتات الرياضية مع بناطيل الركوب لتعيد إحياء صبيانية المراهقة. اللسمات الشخصية كانت حاضرة بذكاء: تي شيرت كتب عليه "والدي نجم روك" كان بمثابة غمزة عين لجمهور العائلة الذي ضم بول مكارتني وأوبرا وينفري. وفي اليوم التالي، كانت المخرجة الإبداعية تتسلم وسام جوقة الشرف الفرنسي.
ما يميز هذه المجموعة هو ثقتها الهادئة. لم تعد مكارتني تدافع عن خياراتها الأخلاقية، بل تقدمها كمنطق صناعي متكامل. قد تبدو إشارات الثمانينيات مألوفة في سياق الموضة الحالي، لكن تماسك الرؤية بين الاستدامة والتجارة جعل من هذا العرض أكثر من مجرد موضة عابرة. إنه تأسيس لخطاب جديد: الأناقة لا تحتاج إلى ضمير مرتاح.

أنتونان ترون يعيد ضبط بوصلة Balmain

بعد ثلاث أشهر فقط على توليه الإدارة الإبداعية لدار Balmain، قدّم أنتونان ترون عرضه الأول وكأنه إعلان نوايا واضح: الدقة قبل الاستعراض، والانضباط قبل الدراما. لم تكن استعارة الطيران مجرد فكرة جمالية عابرة، بل شكلت الهيكل المفاهيمي الذي انتظمت حوله المجموعة منذ الإطلالة الأولى.
افتتح العرض بسترة طيران مصنوعة من جلد الحمل بلمسة مطفأة وكثافة شبه سائلة، في إشارة مباشرة إلى دانييل ديكوريه، أول قائدة طائرة في الخطوط الجوية الفرنسية عام 1975، والتي ارتدت آنذاك زياً صممه بيار بالمان بنفسه. هذا المرجع التاريخي منح العرض نقطة ارتكاز واقعية، وأعاد تأكيد صورة امرأة Balmain: واثقة، حاسمة، وحاضرة بقوة.
من الناحية البنيوية، استعاد ترون لغة الأربعينيات حين رسّخ بيار بالمان اسمه كأحد كبار مصممي الأزياء الراقية. الأكتاف الدائرية المهيكلة، والخصور المحددة بدقة، والتنانير الضيقة أعادت تشكيل silhouette متزنة ومشحونة في الوقت نفسه. إحساس قريب من أناقة أفلام النوار: برودة لورين باكال، وتوتر ريتا هايورث، حيث الجاذبية مضبوطة الإيقاع لا صاخبة.
معاطف الترنش بقصاتها الحادة أعادت استحضار صرامة همفري بوغارت، بينما ظهرت فساتين السهرة بخطوط طويلة وانسيابية مدروسة تستعير من صورة المرأة الفاتنة من دون مبالغة. حتى الطبعات الحيوانية، إحدى بصمات الدار التاريخية، عادت بصيغة مطرزة بخرز الكافيار، تلتقط الضوء بوميض خافت. أما معطف أسود مغطى بريش جلدي مقصوص يدوياً، فكان يتحرك بهدوء يكاد يهمس.
مع ذلك، لعبت الإضاءة شبه المعتمة دوراً مزدوجاً. فبينما عززت المزاج السينمائي للعرض، حجبت أحياناً تفاصيل الحرفية الدقيقة. الأقمشة التي بدت سوداء من بعيد كشفت عن درجات غنية من الأحمر الداكن والأخضر العميق والأزرق الليلي عند الاقتراب. حتى الأحذية المزينة بقطع راتنجية بلون السلحفاة بدت خافتة وسط الظلال.

جوليان كلاوسنر يعيد تشغيل ذاكرة Dries Van Noten العاطفية

لم تكن قاعة "ليسي كارنو" الباريسية مجرد فضاء عرض عادي لدار Dries Van Noten، بل كانت مسرحاً للذاكرة. في مجموعة خريف وشتاء 2026-2027، عاد المدير الإبداعي جوليان كلاوسنر إلى المدرسة الثانوية نفسها التي شهدت عرض الدار عام 2009، ليؤسس لمرحلة جديدة لا تعتمد على الاقتباس الحرفي من الأرشيف، بل على استحضار المشاعر الخام.
استوحى كلاوسنر مجموعته من لحظة انتقالية بامتياز: المراهقة. جرس المدرسة واندفاع التلاميذ إلى الممرات تحول إلى استعارة بصرية عن القلق والانبهار بالظهور الأول. بدأ العرض بلغة خياطة صارمة: معاطف "توغل"، بذات جامعية، وربطات عنق مشدودة. لكن هذا النظام سرعان ما تفكك ليحل محله فوضى مراهقة خلاّقة.
تمثلت عبقرية المجموعة في التصادم الذي لم يكن متوقعاً بين الجرأة الشبابية والفخامة الحرفية. السترات الرياضية اصطدمت بالتنورات المطرزة بشرائط الأقشمة، معاطف "الجاكار" البرونزية الفاخرة اقترنت بأكمام صوفية محبوكة. وصل التناقض ذروته عندما امتزج قماش "الدينيم" المفكك مع أزهار طباعة مستوحاة من لوحات الطبيعة الصامتة في القرن السابع عشر، وكأنها يوميات مصورة على القماش.
هذا التوتّر بين الألفة الجامعية (Preppy) والغنى الزخرفي هو ما منح المجموعة حيويتها. التطريزات لم تتبع نمطاً محدداً، بل بدت كرسومات عشوائية على هوامش كراس مدرسي، لكنها نُفذت بمهارة استثنائية باستخدام خيوط الحرير والترتر والخرز الزجاجي.
أما سر نجاح هذا التكوين البصري المعقد، فهو التوازن الذكي الذي حافظ عليه كلاوسنر. تحت طبقات التطريز والطباعات المتنافرة، ظهرت قطع عملية بامتياز: جاكيتات بقصّة حادة، أقمصة محبوكة ثقيلة، وأحذية متينة. لم تكن المجموعة تمجيداً للحنين إلى الماضي، بل ترجمة لاضطراب المراهقة إلى لغة معاصرة تخاطب راشدين يدركون أن الهوية الشخصية، شأنها شأن القصّاصات، تخضع دوماً للتعديل وإعادة التركيب.

عرض Acne Studios يعيد ظبط قواعد الأناقة الهادئة

في مجموعة خريف وشتاء 2026-2027، لم يقدم جوني يوهانسون ثورة على الطراز البرجوازي، بل شريحاً تشريحياً دقيقاً له. على منصة عرض Acne Studios ، بدت التنانير متوسطة الطول والجاكيتات المزدوجة الصدر وكأنها خرجت لتوها من خزانة أنيقة، لولا أن شيئاً ما كان معطوباً عمداً.
اعتمد يوهانسون على تفكيك الرموز من الداخل بدلاً من تحطيمها. البدلة الكلاسيكية المربعة جاءت بقصّة مثالية، لكن نسبها كانت ممدودة بشكل غير مألوف. التنانير احتفظت بثنياتها، لكن حجمها بقي غامضاً، وكأن القطعة تعيش حالة من التردد بين الالتزام والتحرر. هذا التوتر بين الصقل والاغتراب هو ما حكم الإيقاع البصري للمجموعة.
برز فستان الساتان الوردي بياقة من الفرو ليخلط بطاقة سينمائية بين الأنوثة الراقية والأداء المسرحي. في المقابل، انسابت الفساتين الملفوفة بألوان الحليب والزيتون الهادئ على الأجساد بتلك الللامبالاة المتعمدة، معادلة سيولة تصلح جمود القصات الصارم. الأحذية الطويلة مدّت خط الساق إلى أبعاد شبه سوريالية، بينما لعبت الإكسسوارات لعبتها النفسية: حقائب منظمة، أوشحة مربوطة بدقة، ونظارات صارمة، كلها توحي بالاحترام البرجوازي، لكنها في سياق العرض بدت وكأنها تبتسم بسخرية.
لم تكن الابتكارات في هذه المجموعة مذهلة بصرياً بقدر ما كانت موقفاً فكرياً. يعرف يوهانسون أن الموضة المعاصرة نادراً ما تزدهر بالتدمير الخالص، بل بإعادة المعايرة الدقيقة. بتعديل الملابس المألوفة إلى ما بعد منطقة الراحة بقليل، ابتكر خزانة تبدو مألوفة ومقلقة في آنٍ معاً.

عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.

اسابيع الموضة