مع استمرار عروض أسبوع الموضة في باريس لموسم خريف وشتاء 2026-2027، برزت مجموعات عكست تنوع الرؤى الإبداعية التي تشكل مشهد الموضة اليوم. بين السحر الحضري الذي استحضره إيلي صعب من ليالي مانهاتن، والكلاسيكية المتمردة التي قدمها مايكل رايدر لدار CELINE، وصولاً إلى الأناقة العملية التي صاغتها نادج فانيه في Hermes، كشفت هذه العروض عن مقاربات مختلفة للأناقة المعاصرة. قصّات دقيقة، لوحات ألوان مدروسة وتفاصيل مبتكرة رسمت ملامح موسم يمزج بين القوة، الحركة والحرفية الرفيعة.
سحر مانهاتن الليلي في عرض إيلي صعب
استحضرت مجموعة إيلي صعب لخريف وشتاء 2026-2027 أجواء مانهاتن بعد الغروب، حيث تتحول المدينة إلى مسرح للضوء والظل. في كاروسيل اللوفر، ظهرت العارضات وسط ضباب متحرك أعطى العرض طابعاً سينمائياً، وكأن البطلة التي يتخيلها المصمم تخرج من زوايا مدينة لا تنام.
الإطلالة الافتتاحية رسمت ملامح القصة منذ اللحظة الأولى. فستان بورغندي من الفينيل اللامع بتصميم كورسيه منحوت عكس أضواء المنصة بجرأة، مع أكتاف مستديرة وبنية قريبة من الجسد، واكتملت الصورة بحذاء ستيليتو لامع يعزز حضور المرأة القوية والواثقة. استلهم صعب أجواء التسعينيات في نيويورك، حين كانت المدينة مركزاً لحركة فنية نابضة تجمع الرسامين والكتاب والموسيقيين. انعكس ذلك في لوحة ألوان حضرية تسيطر عليها درجات الأسود والرمادي الداكن، ما منح المجموعة إحساساً حضرياً أنيقاً يميل إلى الغموض.
القصّات جاءت دقيقة وحادة الخطوط، حيث بدت الفساتين ضيقة ومصقولة، تحتضن الجسد بطريقة تبرز القوام من دون أن تفقد طابع الدار المترف. الأكتاف المستديرة ظهرت في عدد كبير من الإطلالات، لتضيف قوة بصرية إلى التصميم وتؤكد حضوراً أنثوياً واضحاً.
ومع تقدم العرض، بدأت الطبقات الأكثر نعومة بالظهور. فقد أدخلت الدانتيل والتفاصيل المتعرجة حركة خفيفة على التصاميم الداكنة، فبدت الفساتين وكأنها تتحرك مع الضوء. بعض فساتين السهرة تميز بأسطح لامعة وتطريزات دقيقة تعكس الإضاءة مع كل خطوة. في القسم الأخير من العرض، ظهرت لمسات مستوحاة من الأربعينيات، مع تنانير واسعة تشبه بتلات الزهور. هذه القصّات الدائرية الضخمة، المزينة بنقشات زهرية درامية، أضافت بعداً مسرحياً واضحاً، لتكشف جانباً أكثر رومانسية ضمن عالم حضري يفيض بالجاذبية.
كلاسيكية متمردة في عرض CELINE
قدّم مايكل رايدر مجموعة خريف وشتاء 2026 – 2027 لدار سيلين ضمن أسبوع الموضة في باريس، مؤكداً ملامح رؤيته الإبداعية التي يختصرها بعبارة: "كلاسيكيات بلمسة جريئة". العرض أقيم داخل تركيب معماري ضخم من الخشب في فناء خلف معهد فرنسا، حيث تحوّل المكان إلى مساحة تشبه علّية مضاءة، تحيط بها أنظمة صوتية كبيرة من تصميم Matéo Garcia Audio. ومع موسيقى لفنانين مثل برنس، تشكّل إيقاع بصري وسمعي ينسجم مع الروح السبعينية الخفيفة التي مرّت عبر المجموعة.
ركز رايدر هذا الموسم على خطوط أكثر نحافة، في انسجام مع الاتجاه العام نحو القصّات الرشيقة. شكلت السترات المفصلة والسراويل الضيقة أساس المجموعة، إلا أن المصمم حرص على كسر هذه القواعد بتفاصيل غير متوقعة. بعض السترات اتسعت عند الحافة السفلية بشكل مفاجئ، فيما تحولت بعض السراويل الضيقة إلى قصّات فلير قصيرة بطول الكاحل، ما خلق توازناً بين الدقة والطابع غير التقليدي.
أما التفاصيل المعدنية فجاءت جزءاً من هذه اللعبة البصرية. ظهرت الأزرارر الذهبية بحجم أصغر من المعتاد على المعاطف والسترات، ما أضفى إيقاعاً غير مألوف على القطع الكلاسيكية. وبرزت الإكسسوارات بدور واضح في تكوين الإطلالات، حيث نسّقت القبعات الديربي مع قبعات الباكيت، بنيما أضافت الأحذية شخصية خاصة للمجموعة، من الأحذية الرياضية الناعمة إلى بوتات بكعب صغير بأسلوب تقليدي، غالباً باللون الأبيض.
كما أعاد رايدر إحياء الساتان الأبيض الذي ارتبط بفترة عمله السابقة في سيلين خلال حقبة فيبي فيلو. ظهر القماش في فساتين تشبه التونيك وثنيات لامعة مزينة بفيونكات، بلمسة أكثر إشراقاً تمنح الإطلالات المسائية طابعاً أنيقاً. وبين لوحة الألوان الهادئة، ظهرت ومضات مفاجئة من الألوان والنقوش وشعارات الدار، مضيفة جرعة من الحيوية إلى خزانة تقوم أساساً على التفصيل الكلاسيكي.
أناقة عملية في عرض Hermes
في عرض دار Hermes لموسم خريف وشتاء 2026-2027، قدمت المصممة نادج فانيه قراءة دقيقة لعلاقة تبدو متناقضة في الظاهر: الرومانسية والوظيفة. لكن على منصة العرض، لم تبدو هاتان القيمتان متعارضتين، بل متكاملتين في خزانة ملابس مصممة لامرأة تتحرك بحرية وتملك حضوراً هادئاً وقوياً في آن.
استندت المجموعة إلى فكرة لحظة الغسق، تلك المنطقة الانتقالية بين النهار والليل. انعكس ذلك بصرياً في لوحة ألوان تتدرج كما لو أنها تتابع مشهد الغروب: درجات دافئة مضيئة تذكّر بلون السماء عند المساء، قبل أن تتحول تدريجياً إلى الأحمر العميق، ولمحة من الأخضر عند الأفق، وصولاً إلى الأزرق الداكن والأسود الفحمي.
من حيث القصّات، اتسمت التصاميم بخطوط ضيقة وانسيابية تمنح الجسم حركة طبيعية مع إحساس واضح بالتحكم. ظهرت السحابات والجيوب كعناصر متكررة، في تأكيد على أن الأناقة المعاصرة يجب أن تستجيب لمتطلبات الحياة اليومية، لا أن تبقى مجرد زينة بصرية.
أحد الإطلالات التي لفتت الانتباه جمعت بين تنورة قصيرة بقصة A مع شورت مطاطي أسفلها، تفصيل بسيط لكنه يعكس فكرة الحرية في الحركة دون التضحية بالشكل المصقول. كما ظهرت سراويل الجودبور المستوحاة من عالم الفروسية، في إشارة هادئة إلى إرث الدار، مع خطوط منحنية تمنح الساقين طولاً وأناقة.
في المعاطف والقطع الجلدية تحديداً، ظهرت براعة هرميس الحرفية بوضوح. بعض المعاطف زُين بسحابات ملتفة حول الخصر والوركين، ما يسمح بتعديل شكل القطعة ودرجة انفتاحها بحسب الرغبة. كذلك جاءت الياقات المصنوعة من الشيرلينغ قابلة للإزالة، لتمنح المعاطف مرونة بين الدفء والمظهر الانسيابي. أما النقشة الوحيدة في المجموعة فحملت بعداً تاريخياً، إذ ظهرت على فستان مبطن بسحاب أمامي وأكمام محبوكة، مقتبسة من عمل للفنان أ. م. كاساندر، يصور سماء مملوءة بالغيوم خلف برج تجريدي، وكأنها أفق مفتوح على احتمالات جديدة.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.