لم يكن أول عرض هوت كوتور تقدمه ماريا غراتسيا كيوري لدار فندي مجرد بداية فصل جديد في تاريخ الدار، بل إعلاناً واضحاً عن تغيير في الطريقة التي يمكن أن تُروى بها قصة الأزياء الراقية. ففي عرض خريف وشتاء 2026-2027، الذي احتضنه المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر في روما، اختارت كيوري أن تعيد تعريف هوية فندي من جذورها، لا عبر استحضار الماضي بحنين، بل من خلال العودة إلى الفكرة التي قامت عليها الدار منذ تأسيسها: المادة أولاً.
على امتداد عقود، ارتبطت الأزياء الراقية غالباً ببناء الصورة الظلية أو الابتكار في القصّات، لكن كيوري اقترحت رؤية مختلفة تماماً. بالنسبة إليها، لا يبدأ التصميم برسم الفستان، بل بالقماش نفسه. فالجلد، والكشمير، والتول، والمخمل، والدانتيل ليست مجرد خامات تُستخدم لتنفيذ فكرة جاهزة، بل هي نقطة الانطلاق التي تحدد شكل القطعة وطريقة حركتها على الجسد. إنها فلسفة تعيد الاعتبار للحرفة اليدوية باعتبارها القوة الإبداعية الأولى، وتجعل التصميم نتيجة للحوار مع المادة وليس العكس.
هذا التحول بدا واضحاً في كل تفاصيل المجموعة. فقد جاءت الملابس لتحتضن الجسم برقة بدلاً من فرض شكل محدد عليه، في امتداد للفكرة التي رسخها كارل لاغرفيلد مع شقيقات فندي الخمس عندما أعادا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي التفكير في معاطف الفرو التقليدية، محولين إياها إلى قطع أخف وأكثر مرونة. غير أن كيوري لم تكتفِ باستعادة هذا الإرث، بل أعادت تفسيره بما يتناسب مع المرأة المعاصرة التي تبحث عن الراحة والخفة من دون أن تتخلى عن الفخامة.
كانت الحرفية هي البطل الحقيقي للعرض. تقنيات الإنتارسيا، والتطريز، والدانتيل، والتول، ظهرت جميعها كاستعراض لقدرات مشاغل فندي، لكن من دون أي استعراض مبالغ فيه. فكل تفصيل بدا موظفاً لخدمة الفكرة الأساسية: إبراز جمال المادة نفسها. حتى القطع الأكثر تعقيداً، مثل المعطف الطويل المصنوع من بقايا الفرو والجلد والمجمعة في زخارف نباتية، لم تكن مجرد استعراض تقني، بل رسالة حول قيمة الحرفة وإمكانات إعادة توظيف المواد بأسلوب راقٍ يجمع بين الابتكار والاستدامة.
كما حضرت الخفة كعنصر أساسي في المجموعة. معاطف من الكشمير المزدوج غير المبطن، وفساتين من الجورجيت تتخللها شرائط جلدية دقيقة، وأردية شفافة من التول، جميعها أكدت أن الفخامة لم تعد تقاس بالوزن أو كثافة الزخارف، بل بالدقة التي تجعل القطعة تبدو خفيفة رغم التعقيد الكبير الذي يتطلبه تنفيذها.
في المقابل، حافظت كيوري على الحوار مع تاريخ فندي من دون الوقوع في فخ إعادة إنتاجه. فقد استعادت لون الرق، المرتبط بحقائب السفر الأولى التي صنعتها الدار، إلى جانب الأسود، ليشكلا ثنائية لونية هادئة تعكس شخصية المجموعة. كما ظهرت إشارات إلى إعجاب كارل لاغرفيلد بمارلين ديتريش وبشقيقات فندي اللواتي اعتبرهن نموذجاً للمرأة المستقلة العاملة، لكن هذه المراجع جاءت كجزء من السردية وليس كهدف بحد ذاته.
حتى السترات والمعاطف المستوحاة من الكيمونو، والتي قُدمت للنساء والرجال على حد سواء، عكست رؤية كيوري لخزانة أكثر مرونة، تستكمل الفكرة التي بدأت العمل عليها في مجموعاتها السابقة، حيث تصبح الحدود بين الأزياء النسائية والرجالية أقل وضوحاً، بينما تبقى الحرفية الإيطالية هي العنصر الجامع.
وربما أكثر ما يميز هذه البداية هو ابتعاد كيوري عن مفهوم الأزياء الراقية بوصفها وسيلة لإبهار الجمهور. فقد وصفت المجموعة بأنها ملابس "تهمس ولا تصرخ"، وهي عبارة تختصر توجهها بالكامل. فبدلاً من البحث عن التأثير المسرحي، ركزت على التفاصيل التي يكتشفها من يرتدي القطعة أو يقترب منها، وعلى العلاقة الحسية بين المرأة والملبس، سواء من خلال نعومة الخامات أو الشفافية المدروسة أو الانسيابية التي ترافق الحركة.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة لأن كيوري ليست غريبة عن فندي. فقد بدأت مسيرتها المهنية داخل الدار عام 1989، قبل أن تنتقل إلى فالنتينو ثم ديور، لتعود اليوم وهي تحمل خبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود. إلا أنها لم تعد بهدف استعادة الماضي، بل لتعيد صياغته بما يتناسب مع الحاضر.
في أول مجموعة هوت كوتور لها، لم تسعَ ماريا غراتسيا كيوري إلى إثبات قدرتها على إحداث قطيعة مع تاريخ فندي، بل اختارت أن تعيد قراءة هذا التاريخ من زاوية مختلفة. والنتيجة كانت مجموعة تضع الحرفة في مركز العملية الإبداعية، وتؤكد أن مستقبل الدار قد لا يُبنى على التصاميم الصاخبة، بل على قوة التفاصيل، وصدق المواد، والرفاهية التي تُشعر بها القطعة أكثر مما تُظهره. إنها بداية تؤكد أن هوية فندي الجديدة لا تتحدث بصوت مرتفع، لكنها تعرف جيداً كيف تترك أثراً يدوم.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.