لماذا أصبح الإنترنت فجأةً مهووساً بمحاربة انتفاخ الوجه؟ | Gheir

لماذا أصبح الإنترنت فجأةً مهووساً بمحاربة انتفاخ الوجه؟

جمال  Feb 11, 2026     
×

لماذا أصبح الإنترنت فجأةً مهووساً بمحاربة انتفاخ الوجه؟

منذ سنوات طويلة، والانتفاخ – وخصوصاً في منطقة الوجه وتحت العينين – يُعامل كعدو جمالي يجب القضاء عليه فوراً. لكن ما تغيّر اليوم ليس وجود هذا الهوس، بل حدّته وخطابه. مع صعود TikTok وثقافة "النصائح السريعة"، لم يعد الانتفاخ مسألة شكلية عابرة، بل تحوّل إلى مؤشر صحي، يُستخدم للحكم على أسلوب حياتنا، وانضباطنا، وحتى قيمتنا الذاتية.

مشكلة صحية أكثر منها جمالية؟

أتذكر جيداً أولى محاولاتي للتخلص من انتفاخ العينين في سن المراهقة. ملاعق باردة، شرائح خيار، ووعود إنترنتية لا حصر لها. لم تنجح أي منها فعلياً، لكن ما ترسّخ في ذهني باكراً هو فكرة واحدة: الانتفاخ خطأ يجب إصلاحه. ومع الوقت، أدركت أن هذه الفكرة لم تكن شخصية بقدر ما كانت انعكاساً لثقافة جمالية كاملة.

صناعة الجمال لطالما غذّت هذا القلق. في الثمانينيات، سُوّقت كريمات غير مخصصة أصلاً للوجه كحلول سحرية، وفي التسعينيات أصبحت وصفات التبريد هي القاعدة. أما اليوم، فقد أعاد TikTok تغليف الفكرة نفسها، لكن بغطاء أخطر: الصحة. مصطلحات مثل cortisol face وlymphatic drainage لم تعد حِكراً على الأطباء أو المتخصصين، بل دخلت القاموس اليومي لمستخدِمات منصات التواصل، وغالباً من دون أي سياق علمي دقيق.

المشكلة لا تكمن فقط في انتشار معلومات ربما لا تكون صحيحة بالضرورة، بل في الرسالة الضمنية التي تُكرر بلا توقف: أي انتفاخ، مهما كان طبيعياً أو مؤقتاً، هو دليل خلل. خلل في نمط حياتك، في نظامك الغذائي، في هرموناتك، أو حتى في أعضائك الداخلية. بعض المحتوى يذهب إلى حد ربط "الوجه المنتفخ" بمشاكل في الكبد أو اضطرابات هرمونية، وغالباً ما تنتهي هذه السرديات بعرض ترويجي لمكملات أو منتجات "مضادة للالتهاب".

من منظور طبي، هذه القراءة مبالغ فيها إلى حد كبير. فوفق أطباء الجلد، الانتفاخ الخفيف في الوجه هو استجابة طبيعية تماماً لعوامل يومية مثل قلة النوم، التوتر، الحساسية، السفر، أو حتى وضعية النوم. أحياناً، لا يعني الأمر أكثر من أن الجسم يقوم بوظيفته الطبيعية في احتباس السوائل وتنظيمها. ولذا فأن ربط هذه التغيرات البسيطة بالمرض لا يخدم الصحة بقدر ما يغذّي القلق.

لكن دعونا نكون صريحين: معظمنا لا يبحث عن طرق لإزالة الانتفاخ بدافع صحي بحت. في العمق، نحن نبحث عن مظهر "أفضل"، أو أدق، عن مظهر يوحي بالانضباط والعافية. حين نلجأ إلى أداة الغواشا بعد ليلة طويلة أو نظام غذائي غير مثالي، فنحن نحاول محو آثار التعب، لا معالجة أسبابه. نريد أن نبدو كمن يملك حياة متوازنة، حتى حين لا تكون كذلك.

هنا تكمن الإشكالية الأكبر. ثقافة الإنترنت قامت بخلط مفهوم العافية بالقيمة الشخصية. الوجه، كما لو أنه تقرير يومي عن أخلاقنا وخياراتنا. انتفاخ؟ إذن هناك تقصير. شدّ ونحت؟ إذاً أنت "تعتنين بنفسك". هذا المنطق لا يرهقنا نفسياً فبحسب، بل يكرّس معايير جمالية ضيقة تُقدَّم على أنها حقائق صحية.

الأخطر أن هذه المعايير متقلبة بطبيعتها. ما يُعتبر اليوم عيباً، قد يصبح غداً موضة. لا شيء يضمن أن الهوس بالوجوه المشدودة لن يُستبدل بعد سنوات بالحنين إلى الامتلاء الطبيعي، تماماً كما يحدث في دورات الموضة والجمال. حينها، قد نجد أنفسنا نبحث عن الدهون التي أزلناها، أو عن الانتفاخ الذي حاربناه بشراسة.

ربما حان الوقت لإعادة النظر في علاقتنا مع وجوهنا. الانتفاخ ليس فشلاً، ولا دليلاً على سوء العناية، ولا علامة مرض بالضرورة. هو، في كثير من الأحيان، مجرد وجه يتفاعل مع الحياة. والاعتراف بذلك قد يكون أول خطوة نحو علاقة أكثر هدوءاً وصدقاً مع الجمال.

عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.

الجمال