الذاكرة الشمية: حين تصبح الرائحة طقساً
مع دخول رمضان، لا يتغيّر جدولنا اليومي فقط، بل تتبدّل حواسنا أيضاً. نلاحظ تحوّلاً واضحاً في اختياراتنا العطرية؛ تختفي الحمضيات الخفيفة والروائح المنعشة لتحلّ محلها تركيبات أعمق وأكثر دفئاً. هذا التحوّل ليس مجرد نزعة موسمية، بل نتيجة علاقة وثيقة بين حاسة الشم والذاكرة العاطفية.
الروائح تصل مباشرة إلى مناطق في الدماغ مسؤولة عن المشاعر والتجارب المختزنة، لذلك حين نشمّ العود في رمضان لا نستقبل رائحة فحسب، بل نستحضر طقوساً كاملة: بخور قبل الإفطار، مجالس عائلية، ملابس أنيقة وسهرات هادئة بعد التراويح. الرائحة تتحوّل إلى جسر يربط الحاضر بمخزون طويل من الذكريات، فتكتسب عمقاً يتجاوز بعدها الجمالي.
إيقاع الليل… ولماذا تناسبه الروائح العميقة
رمضان شهر ليلي بامتياز. تمتد اللقاءات إلى ما بعد الإفطار، وتطول السهرات، ويصبح للعطر وقت كافٍ ليكشف طبقاته ببطء. الروائح الشرقية، بطبيعتها، ليست سريعة أو عابرة. هي تركيبات تتطوّر تدريجياً، تتفاعل مع حرارة البشرة، وتزداد دفئاً مع مرور الوقت.
في هذا السياق الليلي، تبدو الفانيلا والعنبر والعود أكثر انسجاماً. الإضاءة الصفراء، الأقمشة الثقيلة، والأجواء الهادئة تعزّز حضورها وتجعلها أكثر جاذبية مما قد تكون عليه في نهار صيفي مشرق.
السوق يتبع المزاج: ازدهار العطور الشرقية في رمضان
من منظور تجاري، يشكّل رمضان موسماً أساسياً لبيوت العطور الفاخرة في المنطقة. تزداد ثقافة الإهداء، وتتضاعف المناسبات الاجتماعية، ويبدأ الاستعداد المبكر لعيد الفطر. لكن المثير للاهتمام أن الإقبال لا يقتصر على العود التقليدي بصيغته الصريحة، بل يشمل أيضاً إعادة تفسيره بأسلوب أكثر عصرية ونعومة.
هذا التنوّع يعكس تطور الذوق العربي، الذي لم يعد يبحث فقط عن الكثافة والقوة، بل عن العمق المتوازن.
العود بين الفخامة الصريحة والفخامة الهادئة
تجسّد Amouage فهوم الفخامة العربية الواضحة. في عطورها، يظهر العود كثيفاً، راتنجياً، محاطاً بنفحات بخورية تعلن حضورها بثقة. هذا الأسلوب يناسب الأمسيات الرمضانية الكبيرة، حيث يكون العطر جزءاً من صورة احتفالية متكاملة تعكس الهيبة والترف.
في المقابل، تتعامل Maison Francis Kurkdjian مع العود بروح مختلفة. يُقدَّم هنا بصيغة أكثر شفافية، ممزوجاً بالفانيلا أو الورد أو الزعفران، ليصبح دافئاً ومخملياً دون أن يفقد عمقه. هو عود يهمس بدلاً من أن يصرّح، يناسب من تبحث عن حضور راقٍ ومتوازن في السهرات الرمضانية.
الفانيلا: دفء نفسي قبل أن تكون نغمة عطرية
الفانيلا ليست مجرد رائحة حلوة، بل إحساس نفسي بالاحتواء. بعد يوم طويل من الصيام، تميل الحواس إلى ما يمنحها شعوراً بالراحة والطمأنينة. الفانيلا والعنبر يخلقان هالة حميمية تتناغم مع أجواء المشاركة والضيافة، وكأن العطر يصبح امتداداً لدفء اللقاء نفسه.
في الأمسيات الرمضانية، تتطور هذه الروائح ببطء، فتظهر بطبقات مخملية أكثر عمقاً مما قد تفعل في سياق آخر. هنا، يصبح الدفء قيمة جمالية بحد ذاته.
العطر كهوية… لا كإكسسوار
في رمضان، يكتسب اختيار العطر بعداً رمزياً. العود القوي قد يعكس حضوراً واثقاً ومتجذراً في الهوية، بينما تعبّر الفانيلا الناعمة عن أنوثة دافئة ومتوازنة. الرائحة تتحوّل إلى لغة غير منطوقة، تعبّر عن المزاج والذوق والانتماء الثقافي.
في النهاية، انجذابنا إلى العود والفانيلا في هذا الشهر ليس صدفة. إنه نتيجة تلاقي الذاكرة بالروحانية، والسياق الاجتماعي بالذوق الشخصي. وربما لأن رمضان يدعونا إلى البحث عن العمق في كل شيء، نجد أنفسنا نختار روائح تحمل العمق ذاته — روائح لا تمرّ مروراً عابراً، بل تترك أثراً يشبه أثر الشهر نفسه.
تخرّجت من الجامعة اللبنانية، حائزة على شهادتين في الأدب الإنجليزي والصحافة، عالم الجمال يستهويني الى حدٍ كبير. منذ 6 سنوات، أتولْى تحرير صفحة الجمال في موقعي nawa3em.com وgheir.com. أهتمّ في تفاصيل كلّ ما يجري في هذا العالم الواسع من إصدارات حديثة في المكياج والعطور ومستحضرات العناية بالبشرة وأيضاً النظر عن قرب لخيارات نجمات العالم. كما أهتمّ أيضاً في إجراء مقابلات للتعرّف الى التكنولوجيا المبتكرة وأحدث الصيحات وتنفيذ برامج وجلسات تصوير.