في هذا الحوار الخاص، تتحدث ندى دبس بصراحة عن التحوّلات العميقة التي رافقت انتقال محترفها إلى دبي، بعد مرحلة مؤلمة عاشتها في بيروت. بين الفقد وإعادة البناء، وبين الذاكرة والهوية، تكشف المصممة عن رؤيتها لدور التصميم كمساحة للشفاء، وعن معنى أن تحمل الحرفة ذاكرة المكان. حوار يضيء على النضج الإبداعي، وعلى ولادة فصل جديد يجمع بين الجذور والانفتاح العالمي بثقة أكبر.
الانتقال إلى دبي جاء بعد فصل عاطفي جداً في بيروت. كيف أعادت تجربة الخسارة وإعادة البناء بعد عام 2020 تشكيل فهمكِ للمكان والانتماء ودور التصميم في الشفاء؟
كان انفجار بيروت تجربة مؤلمة للغاية بالنسبة لي. لم يكن الأمر مجرد ضرر أصاب مساحة مادية، بل شعرت وكأن شيئاً أعمق قد اهتز. ذلك المتجر كان يحمل الكثير من الذكريات، والكثير من الحوارات، وسنوات طويلة من العمل. لكن بطريقة غريبة، حملت تلك اللحظة وضوحاً أيضاً. أدركت أن ما نبنيه ليس جدراناً أو أثاثاً فقط، بل معنى. إعادة البناء لم تعد تتعلق بإعادة الافتتاح، بل باستعادة الهوية. بعد 2020، شعرت بقوة أكبر أن الحرفة تحمل ذاكرة. عندما يبدو كل شيء غير مستقر، نعود بشكل غريزي إلى ما هو يدوي وإنساني. هناك، أعتقد، يبدأ الشفاء، في التمسك بشيء حقيقي.
غالباً ما تُوصَف دبي بأنها سريعة الإيقاع وموجّهة نحو المستقبل، فيما يثمّن عملكِ الوقت والحرفة والذاكرة. كيف توازنين بين هذا التباين؟ وماذا أتاحت لكِ دبي التعبير عنه مما لم يعد متاحاً في بيروت؟
بالنسبة لي، تمثل دبي مساحة من الإمكانات. ستبقى بيروت دائماً الأساس العاطفي للعلامة، فهي حيث بدأ كل شيء وشكّلت عمق العمل. لكن بعد كل ما مرّ به البلد، شعرت أنه من المهم منح الاستوديو منصة تتيح له النمو بحرية أكبر وأن يُرى على نطاق دولي أوسع. صحيح أن دبي سريعة وموجّهة نحو المستقبل، لكن ربما لهذا السبب تحديداً يبدو حضور الحرفة هنا ذا معنى. في مدينة تتطور باستمرار، هناك أيضاً مساحة لشيء قائم على الصبر، وعلى الإرث، وعلى اليد الإنسانية. بيروت منحتنا الروح، ودبي تمنحنا الاتساع. واليوم، تحتاج العلامة إلى الاثنين معاً.
يقع متجركِ الجديد في السركال أفنيو، وهو حي يرتبط بالفن المعاصر أكثر من التجزئة. لماذا كان مهماً أن يعمل البوتيك كمساحة ثقافية لا تجارية فقط؟
عندما بدأنا البحث عن موقع في دبي، كنت أعلم أنني لا أريد أن أكون في مركز تجاري. لم يكن ذلك منسجماً مع رؤيتي للعلامة. للسركال أفنيو إيقاع مختلف؛ هناك فضول، وفن، ومجتمع. شعرت أنه البيئة المناسبة لعملنا.
لطالما رأيت العلامة جزءاً من حوار ثقافي أوسع، ووجودها في السركال يضعها في هذا السياق بشكل طبيعي جداً.
تتدرّج المساحات الداخلية من الانفتاح إلى الحميمية. هل ترين في التصميم المكاني شكلاً من أشكال السرد؟ وما القصة التي أردتِ روايتها من خلال هذا المتجر؟
عندما دخلت المكان للمرة الأولى، بدا خاماً جداً؛ معدنياً، مرتفع السقف، وربما مهيباً بعض الشيء. كان حدسي أن ألطّفه وأعيد إليه الدفء والقياس الإنساني. من هنا جاءت فكرة إدخال بنية خشبية داخله. ومع الانتقال داخل البوتيك، تصبح التجربة أكثر حميمية وحسّية. لم أرد أن يكون فضاءً مفتوحاً تُرى فيه كل الأشياء فوراً. هناك تدرّج مقصود في انكشاف المكان، وهذا جزء من القصة.
لطالما عاشت أعمالكِ بين ثقافتين، اليابانية والعربية تحديداً. كيف تطوّر فهمكِ لهذه الازدواجية؟ وهل تبدو اليوم توتراً أم انسجاماً؟
عندما كنت أصغر سناً، كنت أشعر بالتباين بشكل أقوى. نشأتي في اليابان ثم إعادة التواصل مع جذوري العربية بدت كأنها تنقّل بين عالمين مختلفين تماماً؛ أحدهما منضبط ودقيق، والآخر تعبيري ومتعدّد الطبقات. ولفترة طويلة كنت أحاول فهم كيف يمكن أن يجتمعا في عملي. مع مرور الوقت، خفّ هذا التوتر. لم أعد أراه شيئاً يحتاج إلى حل. هذه التأثيرات جزء مني، وتظهر في العمل بشكل طبيعي. اليوم يبدو الأمر أقل تناقضاً وأكثر توازناً، هويتان تغذّي إحداهما الأخرى بدلاً من أن تتنافسان.
مع تولّي تامر منصب المدير العام، يدخل الاستوديو جيله الثاني. كيف تتعاملين مع فكرة التخلي الجزئي مع حماية روح العلامة؟ وما الذي يحمسكِ في هذا الحوار الإبداعي الجديد؟
لم يحدث الأمر بين ليلة وضحاها. لسنوات طويلة كنت أقوم بكل شيء بنفسي، من الجانب الإبداعي إلى التشغيلي، ولم أدرك حجم ما كنت أحمله حتى انضم تامر. في البداية كان من الغريب مشاركة قرارات شخصية جداً، خاصة وأن العلامة تحمل اسمي وجزءاً كبيراً من هويتي. لكن تدريجياً بدأت أرى التحول بإيجابية. استطعت العودة بشكل أعمق إلى العملية الإبداعية، وهي المساحة التي أشعر فيها براحة أكبر. ما يحمسني اليوم هو فكرة أن تصبح العلامة حقاً عابرة للأجيال، قادرة على الاستمرار والنمو مع الوقت. لم أفكر في ذلك سابقاً بهذه الطريقة، لكن العمل معاً جعل هذا المستقبل يبدو ملموساً.
الحرفة في صلب ممارستكِ، لكنكِ تعيدين تقديمها بلغة معاصرة باستمرار. ما المسؤولية التي تشعرين بها اليوم تجاه الحفاظ على الحرف الإقليمية وضمان حضورها في المستقبل؟
الحرفة كانت دائماً في قلب الاستوديو، لكنني لم أتعامل معها يوماً كشيء يجب أن يبقى كما هو. عندما بدأت، لم يكن العمل بالحرف المحلية يُنظر إليه دائماً كخيار معاصر، وكان جزء من هدفي أن أبرهن أنه يمكن أن ينتمي إلى المساحات الحديثة. اليوم هناك تقدير أكبر لذلك، وهذا مشجع. في الوقت نفسه، أؤمن أن الحرفة يجب أن تتطور باستمرار. لا ينبغي أن تصبح نوستالجية أو زخرفية فقط. التقنيات والمعرفة الكامنة وراءها ثمينة جداً، لكنها تحتاج إلى قراءة جديدة تتماشى مع أسلوب حياتنا اليوم. هكذا تبقى حيّة.
بالنظر إلى مسيرة الاستوديو منذ عام 2003، هل تشعرين أن عملكِ اليوم أكثر شخصية أم أكثر اختزالاً أم أكثر اتساعاً؟
عندما بدأت عام 2003، كنت ما أزال أبحث، أحاول فهم مكاني ثقافياً وإبداعياً. كان العمل يعكس تلك الرحلة، وكنت أكتشف نفسي من خلاله. مع الوقت، أصبحت الرؤية أوضح. أثق بحدسي أكثر اليوم، رغم أن الشكوك تبقى دائماً في الخلفية. وفي الوقت نفسه، أصبح الاستوديو أكبر مما كان عليه في البداية. هناك فريق، وهناك جيل ثانٍ منخرط في المسيرة، وهذا يغيّر نظرتي إلى المستقبل. لم يعد المشروع شيئاً أحمله وحدي، بل مساحة قادرة على الاستمرار والنمو.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.