المساحة كهوية وامتداد للإنسان في مقابلة خاصة مع المهندسة مي جبارا | Gheir

المساحة كهوية وامتداد للإنسان في مقابلة خاصة مع المهندسة مي جبارا

ديزاين  May 28, 2026     
×

المساحة كهوية وامتداد للإنسان في مقابلة خاصة مع المهندسة مي جبارا

في لحظة تتسارع فيها المدن وتتشابه فيها المساحات تحت ضغط الاتجاهات العالمية، يبرز اسم المعمارية اللبنانية مي جبرا كأحد الأصوات التي تعيد الاعتبار لفكرة "الهوية" داخل التصميم الداخلي والهندسة المعمارية. منذ تأسيسها لاستوديو التصميم الخاص بها عام 2015، بنت مي مساراً يقوم على قناعة مركزية: كل مساحة تحمل روحاً، لكنها لا تُكتشف إلا عبر الإصغاء لمن يسكنها.

تعرفوا أكثر على مي وعلى نهجها التصميمي في مقابلة خاصة بمجلتنا..

الإصغاء قبل التصميم

منذ البداية، لا تنطلق مقاربة مي جبرا من الشكل أو من الإلهام البصري، بل من الإنسان نفسه. وعندما سألناها عن كيفية حماية التفرد في عالم تهيمن عليه الموضات السريعة والخوارزميات، أوضحت أن البداية الحقيقية لأي مشروع بالنسبة لها هي الإصغاء العميق. وقالت إن فهم طريقة عيش الشخص، وما يمنحه شعوراً بالهدوء أو الانتماء، يسبق أي قرار جمالي. بالنسبة لها، الاتجاهات قد تتغير، لكن الصدق العاطفي يظل العنصر الأكثر ثباتاً في أي تصميم ناجح. هذا التصور يجعل كل مشروع لديها مختلفاً، حتى لو حمل بصمتها الهادئة الواضحة. فبدلاً من فرض أسلوب جاهز، تعمل على استخراج لغة خاصة بكل عميل، تُتترجم لاحقاً إلى تفاصيل دقيقة تشمل الضوء، المواد، الإيقاع المكاني، وحتى الإحساس العام بالمكان.

المساحة كذاكرة وشعور

وفي ردها على سؤال حول فكرة أن كل مساحة "تملك روحاً"، أشارت إلى أن هذه القناعة لم تولد من لحظة واحدة، بل من تراكم تجارب إنسانية مرتبطة بالأماكن. وتقول إن الناس نادراً ما يتذكرون المكان لشكله فقط، بل للشعور الذي تركه في داخلهم؛ مثل دفء بيت الطفولة، أو لحظة عائلية، أو الضوء الذي يدخل غرفة في توقيت معين ويبقى عالقاً في الذاكرة.

وتضيف أن دراستها المتخصصة في العلاقة بين علم النفس والهندسة المعمارية جعلتها أكثر إدراكاً لتأثير المساحات على السلوك والمزاج. ومن هنا، أصبح التصميم لديها وسيلة لصناعة تجربة حسية متكاملة، لا تُرى فقط، بل تُعاش وتُشعر.

"البساطة الجريئة" كلغة تصميم

وعندما سألناها عن مفهوم "البساطة الجريئة" الذي يميز أعمالها، أكدت أن البساطة بالنسبة لها ليست فراغاً بصرياً أو اتجاهاً جمالياً عابراً، بل هي وضوح في النية ودقة في الاختيار. وتشرح أن الفخامة الحقيقية تكمن في القدرة على الاكتفاء بما هو ضروري فقط، لكن دون أن يفقد المكان دفئه أو عمقه الإنساني. هذا التوازن بين الهدوء والحضور، وبين التقليل والامتلاء العاطفي، هو ما يشكل بصمتها الخاصة. فهي تصمم مساحات تبدو هادئة للوهلة الأولى، لكنها تحمل طبقات من المعنى والتفاصيل المدروسة بعناية.

الهوية اللبنانية وتأثير الذاكرة الجماعية

وفي حديثنا عن تأثير هويتها اللبنانية على رؤيتها الجمالية، أوضحت مي جبرا أن نشأتها في لبنان لعبت دوراً أساسياً في تشكيل حسّها المكاني. وتقول إن البلاد، بتنوعها الثقافي وتراكم طبقاتها التاريخية، خلقت لديها وعياً خاصاً تجاه فكرة التعايش بين الشرق والغرب، وبين القديم والمعاصر. وتضيف أن البيوت في الثقافة اللبنانية ليست مجرد فضاءات وظيفية، بل أماكن للقاء والذاكرة والتواصل. وعندما سألناها عن أكثر ما بقي في ذاكرتها من الطفولة، أشارت إلى الجلسات العائلية الطويلة حول الطاولة، وإلى الإحساس بالدفء الذي تصنعه التفاصيل الصغيرة داخل المنزل. هذا البعد الإنساني لا يزال، بحسب قولها، محورياً في كل مشروع تعمل عليه اليوم.

التصميم على سطح البحر وتأثيره على اليابسة

وفي ردها على سؤال حول تصميم اليخوت، أوضحت أن العمل في هذا المجال غيّر بشكل جذري فهمها للعلاقة بين الوظيفة والجمال. فالمساحات البحرية تتطلب دقة شديدة، لأن كل سنتيمتر فيها محسوب، ولكل عنصر وظيفة مزدوجة: جمالية وتقنية في آن واحد. وتشير إلى أن هذا النوع من التصميم جعلها أكثر حساسية تجاه حركة الإنسان داخل المكان، وإلى كيفية تفاعل الفراغات الداخلية مع الضوء والهواء والحركة المستمرة. هذه التجربة انعكست لاحقاً على مشاريعها البرية، حيث أصبحت تميل أكثر إلى البساطة الوظيفية والراحة السلسة غير المتكلفة.

الحِرفية في زمن السرعة

وعندما سألناها عن معنى الحِرفية اليوم، أكدت أن القيمة الحقيقية للحرفية تكمن في "الوقت". فالعنصر المصنوع يدوياً يحمل أثراً إنسانياً لا يمكن استنساخه، مهما تطورت التكنولوجيا. وتقول إن الناس قد لا يدركون الحرفة دائماً بشكل واعٍ، لكنهم يشعرون بها. وترى أن إدخال الحرف التقليدية في المشاريع المعاصرة يخلق حواراً بين الماضي والحاضر، ويمنح كل مساحة طابعاً فريداً لا يمكن تكراره، وهو ما تعتبره جوهر الفخامة الحقيقية.

الحاجة إلى الهدوء في الحياة المعاصرة

وعندما سألناها عن سبب ميلها إلى المساحات الهادئة شبه التأملية، أجابت أن العالم اليوم مليء بالضجيج البصري والذهني، ما يجعل الإنسان بحاجة متزايدة إلى أماكن تعيد له التوازن الداخلي. وتوضح أن التصميم، في جوهره، ليس مجرد تنظيم للفراغ، بل أداة تؤثر على الحالة النفسية اليومية للإنسان. وتختم مي بالإشارة إلى أن الفخامة المعاصرة لم تعد مرتبطة بالمبالغة أو الامتلاء، بل بالقدرة على خلق بيئات تسمح للإنسان بأن يتباطأ، يتنفس، ويشعر بانسجام حقيقي مع نفسه داخل المكان.

عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.

الديزاين