هناك فرق شاسع بين امرأة تقرأ الخبر، وأخرى يسيطر عليها الخبر. الأولى تمر على العناوين مروراً عابراً، والثانية تجد نفسها صباحاً وقد استيقظت والخبر ملتصق بوعيها كظل لا يفارقها. في منطقتنا اليوم، حيث التصعيد ليس أمراً عابراً، بل واقعاً يعاد نواجهه كل ساعة، تجد النساء أنفسهن في موقف فريد: المطلوب منهن أن يكنَّ عصا التماسك لعائلاتهن، بينما ينحنين داخلياً تحت وطأة القلق.
الاهتمام بالذات في زمن الأزمات ليس ترفاً. ليس غوصاً في الأحلام اليقظة ولا هروباً إلى جزر معزولة. هو بالضبط ما يمنعكِ من أن تصبحي جزءاً من الخبر بدلاً من كونك من تعيشه.
القلق ليس واجباً وطنياً
أول ما تفكر فيه المرأة عندما تخفّ حدّة التصعيد أنها كانت "قلقة بشكل مبالغ فيه". لكن الحقيقة أن جهازنا العصبي لا يميز بين خطر حقيقي يواجهنا وخطر محتمل نقرأ عنه. هو يتفاعل بالطريقة نفسها: يفرز الكورتيزول، يرفع دقات القلب، يضع العضلات في حالة استنفار. المشكلة أن العيش في حالة استنفار دائمة تستنزف مخزوننا النفسي وكأننا نعيش الأزمة بأنفسنا لا مجرد متابعين لها.
المرأة التي تمنع نفسها من حقها في الهدوء، ظناً منها أن القلق دليل اهتمام، هي امرأة ستسقط في أول موجة حقيقية. ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها صرفت رصيدها النفسي قبل أن تحتاج إليه.
تذكري أن لطفلك عينين تراقبانك
في خضم الكارثة، غالباً ما ننسى أن الصغار لا يقرأون الأخبار، لكنهم يقرأون وجوهنا. هم لا يعرفون أن القتال يحدث في مكان بعيد، لكنهم يعرفون أن أمهم لم تعد تضحك. أن صوتها أصبح متوتراً. أن عناقها أصبح سريعاً مشتتاً.
الاهتمام بصحتك النفسية الآن هو واجبك الأول تجاه أطفالك. أن تبتسمي ليس إنكاراً للواقع، بل إعلاناً أن الحياة تستمر. أن تجلسي معهم لترسموا أو تلعبوا ليس تجاهلًا للخطر، بل بناء جدار من الأمان النفسي يحميهم من أن ينهاروا تحت وطأة الخوف الذي يقرؤونه في عيون الكبار.
المرأة ليست مخزناً انفعالياً للجميع
هناك خط رفيع بين كونك سنداً للآخرين وكونك حاوية انفعالات لا نهائية. الزوج الخائف، الأبناء المرتبكون، الأم الكبيرة في السن التي تتصل مطمئنة، الصديقات اللواتي يرسلن روابط الأخبار بتعليقات مرعبة. كل هؤلاء يتجهون نحوكِ. وأنتِ بدوركِ تشعرين بأن رفض استقبال قلقهم هو تقصير في حق الأنوثة أو الإنسانية.
لكن السؤال: من يحتوي المرأة؟ من يستمع إليها وهي تفرغ ما تختزنه من خوف على من تحب؟ غالباً... لا أحد. هي تبقى ذلك الصندوق المغلق الذي يأخذ ولا يعطي.
الاهتمام بالنفس هنا يعني أن تضعي حدوداً. أن تقولي: "الآن سآخذ ساعة لنفسي، أتنفس فيها، أقرأ شيئاً خفيفاً، أستحم بماء دافئ، ثم أعود لكم". الحدود ليست جفاءً، بل هي الطريقة الوحيدة لضمان ألا تنفجري أو تنطفئي.
العادي هو الثوري
في زمن الاستثناء، يصبح العادي ثورياً. الاستمرار في إعداد القهوة صباحاً. ترتيب السرير. وضع زهرة على الطاولة. هذه الأفعال التي تبدو سطحية في مواجهة الأخبار الكبيرة، هي في الحقيقة ما يثبت أنكِ لم تُهزمي. أن الحياة الخاصة لا تزال قائمة رغم محاولات تعطيلها.
المرأة التي تصر على أن تعيش حياتها العادية وسط العاصفة، هي امرأة تقول للعالم: أنا هنا. لن أُلغى. لن أتحول إلى مجرد متفرجة خائفة. سأطبخ، سأعمل، سأحب، سأهتم بنفسي. ليس لأني غير مكترثة، بل لأن إصراري على الحياة هو ردي الوحيد على الموت.
جسدك هو وطنك الأول
قبل أن تكوني مواطنة في وطن جغرافي، أنتِ مواطنة في جسد. هذا الجسد الذي ينام قلقاً، يستيقظ متعباً، تتراكم فيه هرمونات التوتر كالسموم البطيئة. الاهتمام بصحتك النفسية يبدأ من الاهتمام بهذا الوطن الصغير: تنفس عميق يبطئ دقات القلب، مشي يفرغ الشحنات الزائدة، ماء يروي الخلايا المجهدة، طعام متوازن لا يزيد العبء على جهاز منهك أصلاً.
لا تنتظري أن تنتهي الأزمة لتهتمي بنفسك. اهتمي بنفسك كي تستطيعي عبور الأزمة. أنتِ لستِ امرأة في زمن الحرب فحسب، أنتِ امرأة تصنع السلام داخل جدرانها كل يوم، في عز القصف، في عز الخوف، في عز العتمة. وهذا وحده كافٍ
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.