يحلّ الشتاء على مارينباد Marienbad بتأنق ووقار، فيغلفها بهيبة بيضاء من الثلج، ويحوّل حدائقها وممراتها إلى لوحات صامتة تنبض بالسلام. ورغم قسوة البرد، لا تعرف هذه البلدة التشيكية السكون، فزوارها يتقاطرون إليها بحثاً عن كنزها الأزلي: مياهها المعدنية التي ارتبط اسمها بالشفاء منذ قرون. هنا، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بعدد الأنفاس الهادئة، ولا تُقاس الرحلة بالمسافات، بل بما تتركه في الروح من أثرٍ باقٍ. من يزور مارينباد لا يعود كما كان؛ فهو يغادرها أخف جسداً، وأكثر صفاءً، وكأن الماء قد كتب له فصلاً جديداً من العافية.
الماضي الجميل!
ما إن تطأ قدماك قلب مارينباد حتى يتراءى لك مبنى الكولوناد Colonnadeشامخاً كقصيدة حجرية من العصر الباروكي، تفيض بالأناقة والفخامة. تحت قناطره المزخرفة، وعلى امتداد سقفه الموشى بالرسوم، ينتابك شعور بأنك تعبر بهو قصر ملكي، لا ممشى لمنتجع صحي. ويكتمل المشهد بانضمام النافورة الغنّاء The Singing Fountain، التي تنسج مع الكولوناد لوحة بانورامية تأسر الحواس، حيث يمتزج الصوت بالصورة في تناغم ساحر. وعلى وقع خرير الماء المتراقص، يقف تمثال الكاهن كاريل كاسبار رايتنبرغر في صمت وقور، كحارس أمين لذاكرة البلدة. وعلى قاعدته المصنوعة من الرخام السويدي الأحمر، نُقشت عبارة لاتينية خالدة تشهد له بأنه مكتشف المنافع العلاجية للمياه المعدنية ومؤسس شهرة مارينباد. كلمات ليست مجرد نقش، بل شهادة اعتراف بتاريخ طويل من الشفاء والأمل المتدفق مع الماء عبر السنين.
عشرات الينابيع بانتظاركم!
تُعرف مارينباد محلياً باسم ماريانسكي لازنيه Mariánské Lázně، وتُعد من أغنى بلدات أوروبا لينابيع المياه المعدنية الباردة. فمن باطن أرضها تتفجر عشرات الينابيع، لكل منها تركيب كيميائي فريد وخصائص علاجية مميزة، غنية بثاني أكسيد الكربون ومعادن مثل الحديد والمغنيسيوم والصوديوم. ومنذ القرن التاسع عشر، أصبحت هذه المياه أساساً لعلاجات طبية معتمدة. ولا تقتصر الاستفادة منها على الشرب، بل تشمل الحمّامات العلاجية، الاستنشاق، والعلاجات المنتجعـية المتخصصة. يأتي في مقدمتها نبع ماريا Mary’s Spring، الذي لا يفيض بالماء فحسب، بل بغاز طبيعي غني بثاني أكسيد الكربون، يُستخدم في علاجات دقيقة تُسهم في استقرار ضغط الدم وتحسين وظائف القلب، وكأن النبع يهمس للجسد بالتوازن من جديد. أما نبع الصليب Cross Spring، بتصميمه المعماري المهيب الذي يحتضن اثنين وسبعين عموداً أيونياً، فتُعرف مياهه بقدرتها على تعزيز مرونة الأوعية الدموية، وإعادة الحيوية إلى الجسم. وعلى مقربة منه، يتلألأ نبع كارولينا Karolina Spring، تحت قبة أنيقة تستند إلى ثمانية أعمدة كورنثية، بمياه غازية غنية بالمغنيسيوم، اشتهرت بدعم صحة القلب وتهدئة الأعصاب واستعادة النوم الهادئ. أما نبع رودولف Rudolph Spring، فقد ارتبط اسمه بعلاج أمراض المسالك البولية، بفضل مياهه الغنية التي أثبتت فعاليتها عبر عقود من التجربة، ليغدو ملاذاً للباحثين عن العافية بثقة واطمئنان.
فنادق العلاج... رفاهية لها ذاكرة!
في مارينباد، لا تُعد الفنادق مجرد أماكن للإقامة، بل مؤسسات شفاء لها تاريخ. يتصدر المشهد فندق "نوفيه لازنيه" Nové Lázně Hotel، الذي افتُتح عام 1896، ولا يزال حتى اليوم نموذجاً لتزاوج الفن بالعلاج. بين أعمدته الرخامية وثرياته الكريستالية، استعاد الملك إدوارد السابع عافيته، كما فعل قبله وبعده ملوك ونخب أوروبا. ويضم الفندق حماماً رومانياً تاريخياً يحتفظ بغرف تحمل أسماء الملك إدوارد السابع والإمبراطور فرانتس جوزيف الأول، حيث كانت المياه المعدنية جزءاً من طقوس النقاهة الملكية. وتُقدم فيه برامج علاجية متكاملة لأمراض المفاصل والروماتيزم وهشاشة العظام، إلى جانب علاجات الجلد والجهاز العصبي والتنفسي، تحت إشراف طبي متخصص. ولا يقل فندق "سنترالنيه لازنيه"Hotel Centrální Lázně أهمية، فهو الأقدم في البلدة منذ عام 1812، ومهد شهرة مارينباد العلاجية. ويحتضن نبع ماريا ضمن جناح حديث يُعرف بـ"ماريا سبا"، حيث تُستخدم غازات ثاني أكسيد الكربون الطبيعية لتحسين الدورة الدموية وتخفيف الآلام المزمنة. أما فندق "هفيزدا هيلث سبا" Hvězda Health Spa Hotel، بهندسته العائدة إلى عام 1905، فيحمل عبق الأدب والتاريخ؛ إذ يُروى أن غوته التقى فيه بحبيبته أولريكا، وكان أيضاً من الأماكن المفضلة للملك إدوارد السابع. وفي مسبحه، الأكبر في البلدة، يختبر الزائر استرخاءً عميقاً وسط أجواء من السكينة والرقي. وعلى مقربة من هذه المعالم، يطل فندق "باسيفيك هيلث سبا" Pacifik Health Spa Hotel، ببرامجه المتخصصة لإعادة التأهيل بعد العمليات الجراحية وعلاج أمراض العضلات وهشاشة العظام، معتمداً على مياه الينابيع الطبيعية وخبرة طبية متراكمة.
مارينباد في سطور!
• تقع مارينباد في غرب جمهورية التشيك، على بعد 170 كيلومتراً من العاصمة براغ، أي ما يعادل ساعتين ونصف بالسيارة.
• تزخر بأكثر من أربعين ينبوعاً معدنياً، تختلف في خصائصها وتركيبتها، ويستخدم العديد منها ضمن برامج علاجية متخصصة تستهدف مجموعة واسعة من الحالات الصحية.
• يمكن للزوار دخول جمهورية التشيك بإستخدام تأشيرة شنغن، كونها دولة عضواً في منطقة الشنغن.
• العملة الرسمية هي الكرونة التشيكية، ويبلغ متوسط سعر الصرف حوالي 21 كرونة مقابل الدولار الأميركي الواحد.
• اللغة الرسمية في البلاد هي التشيكية، غير أن التواصل لا يشكل عائقاً للزوار، إذ يتحدث معظم العاملين في قطاعي السياحة والخدمات اللغة الإنكليزية بطلاقة.
•
تكتمل تجربة الإقامة الراقية من خلال سلسلة فنادق "إنسانا" Ensana المنتشرة في أنحاء البلدة، والتي تقدم مزيجاً متوازناً من العلاجات الطبيعية المتخصصة، والخدمات الطبية المتقدمة. للاطلاع على مزيد من التفاصيل حول الفنادق وبرامج العلاج، يمكنكم زيارة الموقع الرسمي:
ensanahotels.com/marianske-lazne
هذا التقرير من إعداد: جان بيار حبيب
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.