نعود اليوم بالذاكرة قليلاً إلى الوراء، لنتذكر واحداً من أجمل عروض موسم خريف وشتاء 2026. إنه عرض من العيب ان نتخطاه أو نمرّ عليه مرور الكرام، لما فيه من إبداع وغموض وابتكار لا نجده في أي عروض أخرى.
نتحدث عن أول مجموعة لدار Maison Margiela، من توقيع المدير الإبداعي Glenn Martens الذي اختار فيها الابتعاد عن باريس، مقدماً عرض خريف وشتاء 2026-2027 في شنغهاي، داخل رصيف حاويات شحن تحوّل إلى مسرح صناعي نابض بالتوتر. هذا الفضاء الخام لم يكن مجرد خلفية، بل امتداد بصري وفكري للمجموعة، حيث تلاقت رمزية التجارة العالمية مع نزعة الدار التفكيكية.
فتحت سماء مضاءة بتوهّج ذهبي، تقدّمت العارضات بخطوات مدروسة ووجوه مغطاة بالأقنعة، على وقع موسيقى أعادت صياغة أغنية Where the Wild Roses Grow بشكل شاعري وغامض. لم تكن الأزياء صامتة، بل أصدرت همسات خفيفة من احتكاك الخامات غير التقليدية، في تجربة حسّية تضيف بعدًا سمعيًا إلى العرض.
تمحورت المجموعة حول البحث المادي، حيث برز شمع العسل كعنصر أساسي، استُخدم لتغليف الأقنعة والملابس، مانحاً الأسطح مظهراً متشققاً أقرب إلى الأحافير. إحدى أبرز الإطلالات تمثّلت في فستان حداد فيكتوري مكسو بالشمع، جمع بين ثقل التاريخ وتشويه الملمس. في المقابل، ظهرت البورسلان كفكرة موازية، إذ صيغت منها فساتين نحتية عبر تجميع شظايا دقيقة، بينما تُرجمت الفكرة في الأزياء الجاهزة عبر طبعات وتدرجات لونية تحاكي لمعان السيراميك.
العمل الحرفي شكّل أكثر لحظات العرض تطرفاً وجرأة، وقد تجلى في فستان مكوّن من 150 ألف نجمة صغيرة انسدل على الجسد بالكامل كسماء متحركة، فيما بدا تصميم آخر مغطى بأوراق الذهب وكأنه يتفكك مع كل خطوة. كما تحوّلت لوحة فنية بطول خمسة أمتار، عُثر عليها في سوق باريسي، إلى فستان عمودي يعيد تعريف مفهوم الكوتور عبر إعادة توظيف المواد. أما القطعة الأكثر نحتية فجاءت من التفتا، مشكلة عبر مئات النقاط اليدوية لتبدو كهيكل حي يتغيّر مع الحركة.
في المقابل، حافظت الأزياء الجاهزة على توازن محسوب، مع بدلات بطابع ريترو وسترات جلدية واضحة الخطوط. الفساتين المكسّرة أضفت انسيابية خفيفة، بينما لعب الجيرسيه المطاطي—بشفافيته أو صلابته—دور "الجلد الثاني"، محتضناً الجسد بأسلوب يعكس إرث الدار.
الإكسسوارات واصلت هذا الحوار البصري، مع أحذية توحي بتشويه القدم أو تعليقها، وحقائب The Link التي ركّزت على البناء والتركيب عبر جلد موصول، لتؤكد أن الوهم البصري والتفكيك يظلان في صميم هوية الدار.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.