في صباحٍ شتويّ بارد، وصلتُ إلى باريس كما لو أن المدينة قررت أن تكشف لي أحد أسرارها المؤجلة. في قلب ساحة فاندوم، حيث تتقاطع الذاكرة مع الحِرفية، دعتنا دار بوشرون لاكتشاف مجموعتها الجديدة من المجوهرات الراقية: Histoire De Style، وكانت عبارة عن أربع قطع استثنائية، أربعة رموز، وأربع طرق لسرد سيرة رجل لم يكن يحب الأضواء، لكن إرثه ما زال يلمع بعد 168 عاماً.
The Address: تحية إلى العنوان الأول
القطعة الأولى كانت بمثابة بوابة الدخول إلى عالم فريدريك بوشرون. عقد معماري حاد الملامح، يستحضر شكل ساحة فاندوم المثمّنة، العنوان الذي صنع تاريخ الدار. فقد أعادت المديرة الإبداعية كلير شوازن تفسير عقد أرشيفي قديم، لكن بروح معاصرة لا تعرف المساومة. الأبيض والأسود يلتقيان في حوار صارم بين الذهب الأبيض، الألماس، واللكر الأسود العميق. في القلب، حجر ألماس بوزن 10.01 قيراط، محاط بتدرج بصري من قصّات زمردية تعكس فكرة "المرآة داخل المرآة". ما أدهشني لم يكن فقط دقة التركيب، بل السيولة غير المتوقعة في هذا التصميم الهندسي الصارم. العقد يلتف حول العنق كما لو كان قطعة واحدة، فيما يخفي سره الأخير: الجزء المركزي قابل للفصل، ويتحوّل إلى خاتم، في إشارة ذكية إلى هوس بوشرون بالتحوّل والحرية.
The Spark: سؤال لا ينتهي
القطعة الثانية هي إعادة إحياء لأيقونة الدار: عقد علامة الاستفهام. استلهمت كلير شوازن صورة أرشيفية تعود إلى عام 1884، لكنها قررت أن تطرح السؤال بلغة اليوم. سلسلة متتالية من الألماس بقصّات هندسية مختلفة تنساب كجملة موسيقية مدروسة الإيقاع. من الماركيز إلى الآشر، ثم البيضاوي، فالسداسي، فالكمثري، فالزمردي، فالدائري، وصولاً إلى ذروة المشهد مع حجر ألماس على شكل طائرة ورقية بوزن 5.01 قيراط. التحدي هنا لم يكن جمالياً فقط، بل في تحقيق توازن مثالي لقطعة ذات وزن وحركة معقدة. كل وصلة مخفية، كل مفصل دقيقة، لتضمن راحة غير مرئية. هذا العقد لا يزيّن الجسد فحسب، بل يطرح سؤالاً عن معنى المجوهرات كفن حي.
The Silhouette: مجوهرات تتحرّك مع الجسد
القطعة الثالثة هي الأكثر جرأة من حيث الفكرة: تصميم نحتي يمكن ارتداؤه بست طرق مختلفة. عقد، زينة للكتفين، سوتوار مزدوج، تشوكر، أو حتى سوارين. هنا، شعرتُ فعلاً بأنني أمام فلسفة فريدريك بوشرون في أصفى تجلياتها: المجوهرات في خدمة الفرد، لا العكس. الذهب الأبيض والألماس ينسابان حول الجسد، يتبعان حركته، ويتحوّلان معه. أكثر من سبعة أمتار من سلاسل الألماس المرصوف، وأكثر من 2500 حجر دائري، تمنح القطعة ليونة مستوحاة من عالم الهوت كوتور. التقنية هنا خفية، لكن النتيجة شاعرية: حرية مطلقة في الارتداء، واحتفاء بفكرة أن الجمال ليس ثابتاً، بل متحوّل.
The Untamed: حين تنبض المجوهرات بالحياة
أما القطعة الرابعة، فكانت الأكثر رومانسية وتأثيراً. إعادة تفسير لأول عقد علامة استفهام بطول استثنائي، مزدان بغصن لبلاب يتدلّى بحرية على الجسد. كل ورقة صُنعت على حدة، كل ساق حُسبت بدقة مليمترية لضمان التوازن والانسيابية. ثمار من الكريستال الصخري، عناصر متحرّكة ترتجف بخفة، وتفاصيل توحي بالحياة. هذه القطعة ليست مجرد مجوهرات، بل كائن حي، يعكس عشق فريدريك بوشرون للطبيعة الواقعية غير المثالية. والأجمل، أنها قابلة للتفكيك وإعادة التشكيل: عقد طويل أو قصير، طوق، بروش، أو حتى زينة شعر. حرية كاملة، كما أرادها المؤسس منذ البداية.
غادرتُ باريس وأنا أشعر أنني لم أزر دار مجوهرات، بل قرأت سيرة ذاتية مكتوبة بالألماس. أربع قطع، أربع رؤى، ورسالة واحدة واضحة: في بوشرون، الجمال لا يُحفظ في القوالب، بل يُعاد اختراعه مع كل جيل.
كلمات مفتاحيّة:
اكسسوارات،
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.