يتقاطع عالم الساعات الرفيعة اليوم بشكل أعمق مع الفنون الجميلة، حيث تتحول الدقة الميكانيكية إلى مساحة سرد بصري تستعيد الذاكرة الثقافية للحضارات. في هذا السياق، تواصل Vacheron Constantin تطوير مشروعها الفني Métiers d’Art Tribute to Great Civilisations، الذي يأتي في تعاون مباشر مع متحف اللوفر الفرنسي، ليعيد قراءة أعمال أثرية من حضارات مصر الفرعونية، الإمبراطورية الآشورية، اليونان القديمة، وروما الإمبراطورية. هذا التعاون، الممتد منذ 2019 بين المؤسستين، لا يقتصر على الإلهام البصري، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء لغة فنية مشتركة تقوم على الحرفية الدقيقة، البحث التاريخي، وتقنيات الزخرفة التقليدية التي باتت اليوم جزءاً من ذاكرة صناعة الساعات المعاصرة.
المجموعة الجديدة تستند إلى أربعة تصاميم محدودة الإصدار، بواقع 15 قطعة لكل نموذج، مدعومة بحركة Manufacture Calibre 2460 G4/2 التي تتيح حرية كاملة في بناء سطح الميناء. هذا الاختيار التقني يسمح بإلغاء العقارب التقليدية لصالح عرض محيطي للوقت عبر فتحات صغيرة، ما يفتح المجال أمام الميناء ليصبح مساحة فنية خالصة، أشبه بلوحة مصغرة تعيد تقديم رموز الحضارات القديمة ضمن إطار هندسي دقيق. هنا، لا يعود الوقت مجرد وظيفة، بل يتحول إلى حامل بصري للهوية الثقافية.
متحف اللوفر كمرجع بصري: إعادة بناء الحضارات عبر الحرفية الدقيقة
تعتمد الساعات الأربع على أعمال مختارة من Department of Antiquities في Louvre Museum، حيث جرى تطوير كل تصميم بالتعاون مع خبراء المتحف لضمان دقة تاريخية عالية في تمثيل الرموز والزخارف. كل ميناء يتكون من طبقات متعددة، تبدأ بقاعدة من الذهب، يتوسطها تمثيل مركزي محفور بتقنية glyptics، وهي تقنية نحت الأحجار الصلبة بدقة ميكروسكوبية تُستخدم عادة في صناعة الكاميو. حول هذا المركز، تظهر عناصر زخرفية مستوحاة من الفنون التطبيقية لكل حضارة، بينما تحيط الإطار زخرفة دائرية تعمل كإكليل بصري يربط العناصر المختلفة داخل تكوين واحد متماسك.
العمل على المواد لم يكن شكلياً، بل اعتمد على اختيار أحجار وألوان تتطابق مع المواد الأصلية المستخدمة في القطع الأثرية داخل المتحف. هذا المستوى من التوثيق يمنح الساعات بعداً شبه متحفي، حيث تتحول إلى امتداد بصري للقطع الأصلية. التقنيات المستخدمة تشمل micro-mosaic، الماركتري، النقش، التذهيب، والـ miniature painting، وكل واحدة منها تتطلب وقتاً طويلاً من العمل اليدوي تحت مجهر دقيق، ما يجعل كل قطعة أقرب إلى عمل فني مستقل منه إلى منتج صناعي.
التعقيد البنيوي للميناء يظهر في كونه مكوّناً من عدة عناصر منفصلة يتم تجميعها بدقة عالية، بحيث يتطابق كل جزء مع الآخر كما لو أنه قطعة من لغز بصري. هذه البنية تعكس فلسفة Vacheron Constantin في الجمع بين الحرفة التقليدية والهندسة المعاصرة، مع الحفاظ على هوية كل تقنية دون دمجها بشكل يفقدها استقلاليتها.
Calibre 2460 G4/2 :الحركة كمساحة عرض للفن
في قلب هذه المجموعة، تأتي حركة Calibre 2460 G4/2 كعنصر تقني محوري يسمح بإعادة تعريف علاقة الميناء بالزمن. هذه الحركة الأوتوماتيكية، المكوّنة من 237 قطعة، تعمل بتردد 4 Hz وتوفر احتياطي طاقة يصل إلى 40 ساعة، مع نظام عرض يعتمد على أقراص تظهر الوقت والتاريخ وأيام الأسبوع عبر أربع فتحات موزعة في أعلى وأسفل الميناء. هذا النظام يحرر المساحة المركزية بالكامل لصالح العمل الفني، ما يمنح الحرفيين حرية تصميم غير مسبوقة.
على الجهة الخلفية، يحمل الروتور نقشاً مستوحى من القرن الثامن عشرة لواجهة اللوفر الشرقية، مع أعمدة مستلهمة من أعمال Louis Le Vau وClaude Perrault . هذا العنصر لا يعمل فقط كجزء ميكانيكي، بل كامتداد بصري لفكرة المجموعة، حيث يتحول حتى الجزء غير الظاهر من الساعة إلى مساحة سرد ثقافي. التشطيبات الداخلية للحركة تلتزم بمعايير Hallmark of Geneva، مع جسور مشطوفة، زخرفة Côtes de Genève، وصفائح مصقولة تعكس مستوى عالياً من الدقة الحرفية.
إلى جانب الحركة، تبرز أهمية التقنيات الحرفية المستخدمة في الزخرفة، حيث يتم تسليط الضوء على فن نحت الأحجار (glyptics) كفن يقوم على حفر ونقش الأحجار الصلبة بدقة عالية، وفسيفساء الميكرو (micro-mosaic) كتركيب بصري يعتمد على قطع دقيقة جداً من الزجاج أو الأحجار لتشكيل صور شبيهة باللوحات، وفن التطعيم (marquetry) كفن تجميع المواد الطبيعية والنبيلة داخل بنية واحدة متناسقة. كذلك تظهر تقنية التطعيم بالمينا المقسّمة (cloisonné marquetry) التي تعتمد على تقسيم التصميم بخيوط معدنية دقيقية تفصل بين المساحات اللونية، إضافة إلى تقنيات المينا (enameling) بأنواعها المختلفة، من المينا المحفورة (champlevé) إلى المينا المزخرفة (flinqué) والمينا المصغّرة (miniature painting)، حيث يتم تحويل المعدن إلى سطح حي نابض يعكس الضوء واللون بعمق بصري وحسي متدرّج.
كل تقنية هنا ليست مجرد وسيلة تزيين، بل لغة قائمة بذاتها داخل بناء بصري متعدد الطبقات، يعيد تعريف العلاقة بين الزمن والذاكرة والحرفة. هذا المشروع يرسّخ توجه Vacheron Constantin نحو تحويل الساعة إلى مساحة ثقافية، حيث تتقاطع الهندسة الميكانيكية مع الأرشفة الفنية، ويصبح كل نموذج امتداداً لحضارة كاملة مختزلة داخل قطر صغير من الذهب والزجاج والحجر.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.