كيف أعادت ريتشارد ميل تعريف فن الترصيع في صناعة الساعات؟ | Gheir

كيف أعادت ريتشارد ميل تعريف فن الترصيع في صناعة الساعات؟

مجوهرات  Jun 16, 2026     
×

كيف أعادت ريتشارد ميل تعريف فن الترصيع في صناعة الساعات؟

لطالما بدا عالم الساعات وعالم المجوهرات وكأنهما يسيران في مسارين متوازيين؛ الأول تحكمه الهندسة والدقة الميكانيكية، والثاني تقوده العاطفة والجمال والحرفية الفنية. لكن بعض الدور نجحت في إزالة هذا الحاجز التقليدي بين المجالين، لتخلق لغة جديدة تلتقي فيها التقنية بالفن. هنا تحديداً يبرز اسم ريتشارد ميل، الدار التي لم تتعامل مع الأحجار الكريمة بوصفها مجرد عناصر زخرفية تضاف إلى الساعة، بل كجزء أساسي من هويتها المعمارية والتقنية.

منذ بداياتها، نظرت ريتشارد ميل إلى الترصيع باعتباره أحد الفنون الزخرفية القادرة على توسيع حدود صناعة الساعات التقليدية. فالألماس والأحجار الملونة لا تُستخدم فقط لإضفاء البريق، بل تتحول إلى مكونات تشارك في بناء الشخصية البصرية للساعة. تتوزع الأحجار على العلب المنحنية للدار كما لو أنها تشكل كوكبات سماوية، أو ترسم ملامح تمائم ورموز وأشكال مستوحاة من الخيال، لتصبح كل ساعة عملاً فنياً متكاملاً يجمع بين التصميم والهندسة.

منذ إطلاق ساعة RM 007 عام 2005، بدأت الدار رحلة طويلة من الاستكشاف الإبداعي والتقني في مجال الترصيع. وقد شكلت هندسة علب ريتشارد ميل الشهيرة تحدياً بحد ذاته للحرفيين، إذ تتطلب الأشكال البرميلية والمنحنية والدعامات المعقدة دقة استثنائية في نحت أماكن تثبيت الأحجار، بحيث يتم إعداد كل تجويف وفق أبعاد الحجر المخصص له بدقة متناهية.

لكن الطموح لم يتوقف عند حدود العلبة الخارجية. ففي ريتشارد ميل، وجدت الأحجار الكريمة طريقها إلى قلب الحركة الميكانيكية نفسها. وقد تجسد ذلك بوضوح في ساعة RM 018 Tourbillon Boucheron عام 2008، حيث استُخدمت الأحجار لصناعة أجزاء من التروس الميكانيكية، في إنجاز تطلب أكثر من أربع سنوات من التطوير والأبحاث. وبعدها بعام، جاءت ساعة RM 019 Tourbillon لتواصل هذا التوجه الجريء عبر قاعدة حركة مصنوعة من حجر الأونيكس الأسود، في خطوة جمعت بين الجرأة التقنية والحرفية الاستثنائية.

مع مرور السنوات، اتسعت مساحة الإبداع داخل الدار. ومع تولي سيسيل غينات منصب مديرة التصميم والتطوير عام 2015، دخلت ريتشارد ميل مرحلة جديدة أصبحت فيها الحدود بين صناعة الساعات الراقية والمجوهرات الفاخرة أكثر ضبابية. فقد بدأت الأحجار الكريمة تتعايش مع مواد متطورة مثل Carbon TPT® والسيراميك عالي التقنية وحتى الياقوت الصناعي، لتخلق تباينات بصرية غير مألوفة بين الفخامة التقليدية والابتكار المعاصر.

ومن أبرز الأمثلة على هذه الرؤية ساعات RM 71-01 Talisman Automatic Tourbillon وRM 71-02 Talisman Tourbillon، اللتان استلهمتا طاقتهما من عالم التمائم والزخارف ومن أجواء السبعينيات المفعمة بالألوان والجرأة. أما ساعة RM 07-02 Sapphire Automatic فقد دفعت حدود الابتكار إلى مستوى آخر من خلال علبة مصنوعة بالكامل من الياقوت الوردي.

وراء هذا المستوى من الإبداع تقف تحديات هندسية هائلة. فترصيع مواد مثل الكربون أو السيراميك أو الياقوت يتطلب تقنيات تختلف جذرياً عن تلك المستخدمة في المعادن الثمينة التقليدية. ولهذا طورت ريتشارد ميل حلولاً خاصة تعتمد على آلات دقيقة للغاية قادرة على حفر تجاويف بأخطاء لا تتجاوز الميكرون الواحد، قبل أن يتولى الحرفيون تثبيت المخالب الذهبية الدقيقة التي تحمل الأحجار في مكانها.

وفي عام 2019، عززت الدار هذا التوجه من خلال افتتاح ورشة ترصيع داخلية متخصصة، هدفها توسيع آفاق هذا الفن ودفعه نحو مناطق جديدة لم تكن ممكنة في السابق. فمن خلال الجمع بين خبرات المهندسين وصناع الساعات والمرصعين، لم يعد الترصيع مجرد حرفة تكمّل المنتج النهائي، بل أصبح مجالاً للابتكار بحد ذاته، حيث تتحول الأحجار الكريمة إلى عناصر بنيوية تشارك في صياغة هوية الساعة تماماً كما تفعل الحركة الميكانيكية أو المواد المتطورة المستخدمة في تصنيعها.

عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.

المجوهرات