في مجموعة Pre-Fall 2026، يلتفت إيلي صعب إلى جذوره بوعي ناضج، مقدماً قراءة عاطفية وتحليلية لمدينة بيروت، لا كذكرى جامدة بل كحالة مستمرة من التناقض الخلّاق. هنا، تتحول العاصمة اللبنانية إلى مصدر إلهام بصري وسردي، حيث يتجاور الضوء والظل، الهشاشة والقوة، الماضي والحاضر. صعب لا يستحضر بيروت كما كانت، بل كما يشعر بها اليوم: مدينة تختزن الجمال رغم كل شيء، وتفرض حضورها بثقة هادئة على الخريطة العاليمية.
الحنين حين يُعاد تصميمه
تحمل المجموعة مفهوم "الحنين المُحدّث"، مستلهمةً روح التسعينيات، الحقبة التي شهدت انطلاقة إيلي صعب نحو العالمية. غير أن العودة إلى تلك المرحلة لا تأتي بنَفَس أرشيفي مباشر، بل من خلال إعادة صياغة القوالب الكلاسيكية بلمسة أكثر جرأة وخشونة. المرأة هنا قوية، حسّية بطبيعتها، تتحرك بثقة بين طبقات الزمن، وتُجسّد توازناً دقيقاً بين الأنوثة والصلابة، تماماً كما تفعل بيروت في يومياتها.
تحوّل لافت نحو أناقة النهار
أكثر ما يميز هذه المجموعمة هو التحوّل الواضح نحو أزياء النهار، في خطوة نادرة لدار اشتهرت عالمياً بفخامتها المسائية. إيلي صعب يضع المرأة في قلب المدينة، متنقلة بإطلالات مريحة وسهلة، لكنها لا تتخلى عن البنية المعمارية الدقيقة التي تُعد توقيعاً ثابتاً للدار. تنانير القلم المستوحاة من الطابع الريترو تلتقي بعناصر رياضية وعملية، في حوار بصري يعكس واقعية أنيقة، ويمنح الخزانة اليومية وزناً تصميمياً حقيقياً.
لغة خامات عالية التباين
تقنياً، تُظهر المجموعة براعة لافتة في التعامل مع الخامات. الجلد يتصدر المشهد، خصوصاً في إطلالات بدرجات القرفة، مع يا قات مرتفعة وأحزمة مشدودة تعيد إلى الأذهان صرامة التسعينيات. أما الدانتيل، العلامة الأيقونية للدار، فيُقدَّم برؤية جديدة عبر طبقات شفافة فوق أقمشة متدرجة، وفتحات جريئة، وتطريزات نباتية بألوان مطفأة. اللافت أيضاً هو الجرأة في التنسيق: سراويل مخملية ضيقة مع سترات كارغو، وكارديغانات مرصعة بالترتر تُرتدى بسهولة مع الدنيم.
المساء لا يغيب بل يتطور
رغم التركيز على النهار، تبقى الإطلالات المسائية حاضرة بسحرها الخاص. أقمشمة شفافة لامعة، وتقنيات ديفوريه تمنح القطع بريقاً شبه حالم، بينمنا تخترق ألوان مثل الأخضر الحامضي والأزرق الكهربائي لوحة يغلب عليها الأحادي والدرجات الترابية. إنها أناقة ليلية أكثر حداثة، أقل استعراضاً، لكنها لا تفقد تأثيرها العاطفي.
قراءة استراتيجية للسوق والهوية
من منظور نقدي، تمثل هذه المجموعة خطوة ذكية نحو تنويع نمط الحياة الذي تخاطبه الدار، من دون المساس بجوهر الفخامة. إدخال قطع عملية وإكسسوارات وظيفية، مثل الحقائب الكبيرة المصممة للحياة المهنية، يعكس فهماً واقعياً لاحتياجات المرأة المعاصرة في سوق فاخرة تمر بمرحلة دقيقة. ومع ذلك، تبقى فلسفة “المنتج أولاً” واضحة، حيث تحمل حتى أبسط القطع قيمة حرفية عالية.
الخلاصة: حين يتحول الجذر إلى لغة عالمية
في Pre-Fall 2026، يثبت إيلي صعب أن العودة إلى الجذور ليست تراجعاً، بل تقدّم محسوب. عبر تحويل روح بيروت المعقّدة إلى خزانة راقية وقابلة للارتداء، يقدم المصمم مجموعة حميمة في إحساسها، عالمية في لغتها. إنها تذكير بأن الجمال الحقيقي لا ينفصل عن الذاكرة، وأن الفخامة، في أعمق معانيها، هي ارتباط، وانتماء، وحب.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.