تتمتع سترة جاكيت الشانيل بخصوصية تتجاوز كونه قطعة ملابس، فهي نموذج معماري مصغر لفلسفة تصميم كاملة. منذ عشرينيات القرن الماضي، أسست كوكو شانيل هذه السترة كبديل عن القيود الصارمة للملابس النسائية آنذاك، مستلهمةً أسلوب الرجال في حياتها الاجتماعية، ومتمردة على الخامات الثقيلة التي كانت تهيمن على الموضة. السر يكمن في التفاصيل التقنية التي تحوّل القماش إلى بنية حية تتفاعل مع الجسد: قصّة مستقيمة بلا ثنيات عند الصدر، وخياطة مركزية في الظهر تمنح حرية الحركة، إضافة إلى أكمام مرتفعة قليلاً لتسهيل الانسيابية.
أما البطانة فتشكل جزءاً من الذكاء البنائي للقطعة، إذ يتم خياطة بطانة بعدد طبقات يوازي طبقات التويد الخارجية، بحيث يتحرك القماش الداخلي والخارجي معاً وكأنهما كيان واحد. وتبرز السلسلة المعدنية المخفية داخل الحافة السفلية للجاكيت كعنصر هندسي وظيفي قبل أن تكون جمالية، حيث تساعد على تثبيت السقوط المثالي للقطعة على الجسم. هذه التفاصيل الدقيقة هي ما جعل الجاكيت يتجاوز كونه موضة موسمية ليصبح قطعة ذاكرة تحمل قيم الاستمرارية والراحة في آن واحد.
في الثقافة المعاصرة، أصبحت السترة أيضاً تعبيراً عن فكرة السلطة الأنثوية الهادئة. فهي ليست فستان سهرة صاخباً، بل قطعة تعمل بصمت، تمنح مرتديتها حضوراً أنيقاً دون مبالغة بصرية. هذا النوع من الفخامة الهادئة ينسجم مع تحولات الذوق العالمي نحو الاستثمار في القطع ذات الجودة المعمارية التي تتحدى الزمن.
2. اقتصاد الندرة: من منصة المزاد إلى خزانة الاستثمار
شهدت سوق إعادة البيع تحولات لافتة في تقييم سترة شانيل خلال السنوات الأخيرة، حيث تحوّلت من قطعة فاخرة إلى أصل استثماري محتمل. المزادات المتخصصة لاحظت ارتفاعاً تدريجياً في أسعار القطع الكلاسيكية، خصوصاً تلك التي تحمل بصمات الحقبة التي قاد فيها كارل لاغرفيلد الدار، حيث أصبحت الأزرار المميزة، والسلاسل الظاهرة، والخامات المزخرفة عناصر تضيف قيمة مالية ورمزية في الوقت ذاته.
اللافت أن المشترين لم يعودوا يبحثون فقط عن القطع النادرة، بل عن القصص التي تحملها هذه القطع. تاريخ السترة، وسنة الإنتاج، وحتى معرفة المناسبة التي ارتُدي فيها، أصبحت عناصر تؤثر مباشرة على السعر النهائي. هذا التحول يعكس انتقال الفخامة من مجرد الشكل الخارجي إلى مفهوم الذاكرة المادية، حيث يصبح كل ثوب وثيقة ثقافية قابلة للتداول.
ارتفاع أسعار القطع الجديدة في المتاجر الرسمية، حيث وصلت بعض جاكيتات التويد الحديثة إلى مستويات تقارب آلاف اليوروهات، دفع شريحة واسعة من المستهلكين إلى سوق المستعمل كخيار أكثر عقلانية. ومع ذلك، فإن السوق الرقمي، رغم سهولة الوصول، خلق مفارقة جديدة: وفرة في العرض مقابل نقص في التجربة الحسية. فالشراء لم يعد مرتبطاً فقط بالصورة الإعلانية، بل بالرغبة في لمس النسيج، واختبار الوزن، والشعور بالملمس الذي يصنع العلاقة العاطفية مع القطعة.
3. الجيل الجديد وإعادة تعريف الرغبة في الفخامة
يلعب الجيل الشاب دوراً محورياً في عودة السترة إلى دائرة الضوء، لكن من خلال قراءة جديدة للرمزية الفاخرة. لم يعد الاهتمام مرتبطاً فقط بالأناقة الكلاسيكية، بل بترجمة الفخامة إلى لغة يومية أكثر قرباً من الحياة الحضرية. ظهرت هذه النزعة بشكل واضح مع تأثير ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحولت الأناقة إلى سرد بصري متكرر يعتمد على قطع أساسية مثل الجاكيت، والحذاء الكلاسيكي، والكنزة الصوفية الناعمة.
اللافت أن هذا الاهتمام لا يرتبط حصراً باتجاه واحد في الموضة. فبينما كانت موجة "الستايـل الأرستقراطي" رائجة في السنوات الماضية، بدأت مؤشرات البحث على الإنترنت تتحول نحو استكشاف السعر، وإمكانية الشراء، وطرق الحصول على قطع أرشيفية. هذا يعكس تحول الفخامة من قيمة استعراضية إلى قيمة معرفية، حيث يصبح المستهلك خبيراً صغيراً في تاريخ العلامة وموادها وتقنيات صناعتها.
في المقابل، تحاول دور الأزياء الحفاظ على عنصر التجربة الحسية التي لا يمكن للمنصات الرقمية تعويضها بالكامل. فزيارة المتجر لم تعد مجرد عملية شراء، بل طقس تواصلي مع هوية الدار. هذا التوازن بين العالمين — الرقمي والحسي — قد يكون العامل الأساسي الذي سيحدد مستقبل جاكيت الشانيل كرمز ثقافي واقتصادي في الوقت نفسه.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.